بديني أفتخر وبأمتي أعتد وبمنتماي أعجب

بديني أفتخر وبأمتي أعتد وبمنتماي أعجب
بديني أفتخر وبأمتي أعتد وبمنتماي أعجب

الأربعاء، 3 سبتمبر 2014

حرف تضمه الصفحات



فَالْـحَـرْفُ مُـنْـكَـسِـرُ الْـجَــنَاحِ مُعَذَّبٌ

حَـتَّـى تَـضُـمَّ أَنِـيـنَـهُ الـصَّـفَـحَـــــاتُ

مجدي الحاج

قراءات سودانية - بقلم: د. مجدي الحاج - المقالة رقم: 12 تاريخ وفلسفة الخلوة القرآنية في السُّودان

الخلوة في السودان مفرد جمعه خلاوى وخلاوي، وهي المكان الذي يخلو فيه طالب العلم عن الدنيا ومشاغلها لحفظ القرآن الكريم وتعلمه، وفي الخلوة تشعل نار القرآن ليلا، وهي كلمة محببة في نفوس السودانيين فإذا قيل أن ذلك الشخص أو أولئك الجماعة قد أوقدو نارا للقرآن في القرية أو المدينة أو في البادية كيفما اتفق الحال، فإن هذه الإشارة تكسبهم حمدا وثناء عظيمين وتحببهم للناس وتجعل لهم القبول بينهم، فهي عند السودانيين بمعنى إحياء الدين وتتمثل في تقليد قديم أخذ به قبل انتشار الكهرباء.
وكان طلبة الخلوة يذهبون إلى الغابة بل إن بعضهم يفعل ذلك في أيامنا الحاضرة فيحضرون كمية ضخمة من الأخشاب ويشعلون فيها النار في المساء أمام مبنى الخلوة ويتحلقون حولها ليقرأوا ألواحهم في ضوئها حتى يحفظونها استعدادا لعرضها أو تسميعها للشيخ غدا في الصباح الباكر، وهم في ليالي الشتاء بصفة خاصة يفيدون من نار القرآن لأنها تمدهم بالدفء الكافي.
وعليه فإن الخلوة هي مدارس قرآنية في السودان أشبه بمدارس الكتاتيب في مصر، ولها دور مهم وأساسي في تاريخ التعليم في السودان.
وحول نشأة الخلاوي في السودان كان أول ظهور لها أثناء حكم الشيخ عجيب المانجلك 1570م ­-1611م وقيل قبل ذلك إلا أن الثابت أنها توسعت في عهده، وبدأت كحل وسط لسيطرة تيارين دينيين على السودان في هذا الوقت، وهما علماء المذهب المالكي الذين يرفضون تعليم أو صلاة الصبية في المساجد، وشيوخ الصوفية الذين ينزعون إلى الإختلاء بالنفس بعيدًا عن الناس.
 فكان أن بنيت الخلاوي كبيوت ملحقة بالمساجد، وتعرف الخلوة بأسماء عديدة مثل القرآنية أو الجامعة أو المسيد ويستخدم اسم المسيد أيضا للمسجد، فيما تعرف واحدتها باسم شيخها فيقال خلوة الشيخ فلان، وقد طغت أسماء بعض الخلاوي المشهورة على عموم منطقتها كود الفادني وود كنان في الجزيرة وغيرها.
وحول أسلوب التعليم في الخلوة فلا ينقسم الطلاب فيها إلى فصول دراسية كالمعهود في المدارس الحديثة وإنما تتبع الخلوة منهجا فرديا يعتمد على تلقي الطالب للعلم مباشرة من شيخه واحدا لواحد حيث يتابع الشيخ طلابه ويعلم كلا منهم حسب مقدرته ومستواه فلا يحتاج الطالب عددا معينا من السنين للتخرج بل يتقدم حسب قدرته. ويمكن للشيخ الواحد - بمعاونة الطلاب المتقدمين - أن يشرف على نحو مائة من الطلاب كل منهم في مستوى تعليمي مختلف عن أقرانه.
ومن وسائل التعليم في الخلوة يبدأ طالب الخلوة بالكتابة "رسم الحروف والشكل وضبط الكلمات" على التراب برؤوس أنامل اليد من غير احتياج لوسائل مساعدة حتى يتقن الطالب الحروف والقراءة.
ثم يستخدم قلم البوص للكتابة على اللوح وقد يستخدم الشيخ نواة بلحة لرسم الحروف على لوح التلميذ الذي يتتبعها بقلمه وما زالت نفس الأدوات تستخدم منذ القدم دون تغيير وجميعها من المواد المحلية التي يصنعها الطلاب بأنفسهم.
ويستمراليوم الدراسي في الخلوة منذ الثالثة والنصف صباحا وحتي العاشرة مساء، ويبدأ اليوم بفترة تسمى بالدغيشة من ما قبل صلاة الفجر ويحفظ فيها الطلاب المقرر اليومي الذي يحدده الشيخ لكل طالب على حدة على حسب همته وذكائه.
والفترة عقب صلاة الفجر تكون فيها "الرَّمية" وعند الرمي يأخذ الشيخ مكانه ساعة الشروق، ويتحلق الطلاب حوله جلوسا على هيئة جلوس التشهد في الصلاة.
ولكي يرمي الشيخ على الطالب لا بد أولا من أن يسمعه الطالب آخر ما وقف عليه مما رماه عليه البارحة، كأن يكون مثلا قوله تعالى: (ولهم فيها أزواج مطهرة، وهم فيها خالدون) فيرمي عليه ما بعد تلك الآية مثلا وهو قوله تعالى: (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها)، ويلتقط الطالب من فم الشيخ ما سمعه، فيبدأ في كتابته على لوحه، ويرمي الشيخ لمن بعده وبعده في هذه الأثناء حتى ينتهي الطالب من الكتابة فيعيده عليه، فيرمي عليه الشيخ الذي بعده، وهكذا، حتى يأمره الشيخ فيقوم ليتنحى إلى جانب من جوانب الخلوة، ويشرع في حفظ ما كتب، وترى الشيخ يرمي من حفظه أو من المصحف في لحظات متقاربة من ساعة الرمي، على أكثر من طالب، في أكثر من سورة قرآنية، وغالبا ما يكون هؤلاء الطلاب من خيرة وأكفأ من عنده، ثم بعد ذلك يوكل إليهم الرمي على من هم دونهم في السن والحفظ.
والفترة من بعد شروق الشمس حتى العاشرة والنصف وتُسمى "بالضَّحَوَة" وفيها يُراجع الطالب ما حفظ بالأمس منفردا ثم بعد ذلك يعرض ما كتبه صباح اليوم في "الرَّمية" على الشيخ ليصحح له أخطاءه، ويُعرف هذا التصحيح باسم "صحة القلم".
ثم يقيل الطالب من الحادية عشر حتى الثانية وفيها يتناول الطالب إفطاره ويتناول قسطا من الراحة حتى صلاة الظهر التي تبدأ بعدها فترة "الظهرية"، وفيها يقرأ الطالب على الشيخ ما كتب في اللوح في الرَّمية تصحيحا لقراءته ونطقا وتحويدا ويُعرف هذا التصحيح "بصحة الفم أو صحة الخشم"، وتنتهي الظهرية بصلاة العصر، وتبدأ بعدها فترة "المطالعة" وفيها يقرأ الشيخ ويتابع الطالب من لوحه وتنتهي قُبيل المغرب، ثم بعد الصلاة يعرض على الشيخ ما حفظه بالأمس وتُسمى "بالعرضة" وبعد العشاء حتى العاشرة يقرأ الطالب فيها سبعة أجزاء من حفظه وتُسمى "السُّبُع" وهو يدور في محيط مساحة منبسطة كان في القديم توقد فيها نار تُسمى "التُّقابة" والفترتين من المغرب حتى العشاء ثم العشاء حتى العاشرة تسميان المغربية الأولى والمغربية الثانية، وهذا البرنامج لا يتوقف إلا في إجازة العيدين، وهي الإجازة الوحيدة التي تعرفها الخلوة.
وتجدر الإشارة إلى أنه ليست في الخلوة حفلات تخرج ونظام للإنتقال من فصل إلى آخر أو من مرحلة إلى أخرى كما يوجد في المدارس النظامية ولكن في الخلوة ما يعرف بالشرافة وهي احتفال بإكمال الطالب لجزء معين من القرآن الكريم. مثلا الشرافة الأولى هي "شرافة عم" وتكون عند وصول الطالب أو الطالبة إلى سورة النبأ والشرافة الثانية وهي "شرافة تبارك" عند الوصول إلى سورة الملك وهكذا إلى أن يصل الطالب أو الطالبة إلى الشرافة الكبرى والأخيرة وهي "شرافة الختمة" عند الوصول إلى سورة البقرة.
ويمكن مقارنة حفلة الشرافة في الخلوة بالإنتقال من صف واحد إلى الذي يليه في المدارس النظامية إلا أن تقدم الطالب في الخلوة ليس مرهونا بفترة زمنية معينة وكل طالب كان يتقدم من سورة إلى التي تليها ومن جزء إلى الذي يليه حسب مقدرته.
ومن عادات الشرافة زخرفة لوح الطالب برسم قبة ومنارة مسجد وتلوينها بألوان زاهية ويكتب عليها بخط جميل الآيات الأولى من السورة التي وصلها، وقد تولم أسرة الطالب لطلاب الخلوة، وفى اليوم التالي للشرافة كان هناك من يحمل لوحه المزخرف ويذهب به إلى السوق يعرضه على الناس وهو ينتقل من دكان إلى آخر والناس تعطيه العطايا ولكنها ليست عادة شائعة. وقد تصاحب وليمة الشرافة هدية من اسرة الطالب للشيخ وتعتمد قيمة الهدية على عدة عوامل من بينها الوضع الإقتصادي لأسرة الطالب والدرجة التي وصل إليها الطالب في حفظ القرآن، وتزيد قيمة الهدية كلما تقدم الطالب في حفظ القرآن وقد تكون هذه الهدية كبيرة إذا كان الطالب يحتفل بشرافة ختم القرآن.
والواقع أنه على مدى تاريخ الإسلام الطويل في السودان اكتسبت الخلاوي المنتشرة في الحضر والبوادي فيه أهمية كبرى في نفوس السودانيين حتى امتد هذا التقدير إلى إسناد الوظائف الإدارية المهمة لخريجيها، حيث كانت هذه الخلاوي في الفترة التي سبقت إنشاء المدارس النظامية هي جهة التعليم الأساسية كما عرفنا.
ويرجع اهتمام المجتمع السوداني بدراسة القرآن كون السودان يحتل رأس الرمح للعروبة والإسلام في أفريقيا السوداء منذ أقدم العصور، واهتمام الفرد غالبا ما يتركز في انتمائه القبلي العربي، وارتباطه بالإسلام، وكثيرا ما يزعم السوداني بأن قبيلته تنحدر من صلب صحابي جليل، وهو بذلك يجمع بين الإنتماء العربي والإسلامي، ولإثبات ذلك يتداولون روايات تختلط فيها الحقائق بالأمنيات.
وقد أطلق السودانيون على المدارس القرآنية أسماء خاصة ذات دلالة عندهم استوحوها من البيئة البدوية والريفية التي تكثر فيها هذه المدارس مثل: المسيد، أو الخلوة، وهذين الأكثر تداولا من بين الأسماء الأخرى.
وكلمة (مسيد) مترادفة مع كلمة مسجد؛ لأن الغالب في المسجد في السودان أن يكون فيه أماكن مخصصة لتدريس القرآن، ومن ثم تسمى مسيدا، فإذا أطلق المسجد فهو يعني المسيد، ويقال أن كلمة مسجد لحقها الإبدال بإبدال الجيم ياء، وكلمة مسيد تلقفها أهل السودان من أفواه المشايخ الذين توافدوا على السودان في وقت مبكر، وأغلبهم قادم من الحجاز والمغرب، غير أن كلمة المسيد (خلوة) لا تطلق على النحو الدقيق إلا إذا اجتمع في المسجد مكان المصلي ولدراسة القرآن الكريم والسكن، والغالب في المسجد أن توجد فيه هذه المناشط الثلاث.
للمسيد أو الخلوة نظام قبول وتسجيل خاص ميزها فيما بعد عن القبول في المدارس النظامية، فنظامها يقبل فيه كل الأعمار، تجد فيها الغلام ابن الخمس والصبي ابن العاشرة والشاب ابن العشرين والكهل الذي تجاوز الخمسين، ويصنفون على قسمين حوار وطالب، والحوار هو الطالب من داخل القرية (ابن القرية)، أما اسم الطالب فيطلق على من يأتي من خارج القرية أو المدينة، ويوم دخول الخلوة يأتي ولي أمر الحوار (أبوه أو أمه) فيجلس أمام الشيخ (مدرس القرآن) ويقدم ابنه ويشفع تقديمه بكلمات تقليدية يخاطب بها الشيخ من نحو: (لك اللحم ولنا العظم).
فيرد عليه الشيخ: ربنا يعلمه ويحفظه، ثم يدعو له فيرد ولي الأمر الحوار بعبارات محفوظة ومسجوعة: دقه (بمعنى اضربه) إن كضب (إن كذب) وعلمه الأدب.
وهذه العبارات من جانب آخر تبرز ما كان يحظى به الشيخ (معلم القرآن) من مكانة في القرية أو المدينة، إذ يترك التلاميذ عنده كوديعة يعلمهم بجانب القرآن مكارم الأخلاق والأدب.
وعند اكتمال قبول الحوار في الخلوة يقدم ولي أمره هدية لمعلم القرآن من نقود أو شاه أو ثور حسب طاقته وإمكانياته، وجري العرف أن يتم قبول الحيران (جمع حوار) الجدد كل يوم أربعاء من كل أسبوع، والدخول بالأربعاء تطبقه كل المدارس القرآنية في أفريقيا، وبعد الإنتهاء من عملية القبول يوكل أمر الحوار لطالب كبير متمكن يسمي (العريف)وجمعه عرفاء، وهو نظام معروف في كثير من الدول الأوروبية، ويحقق العديد من المزايا الإقتصادية، فالعريف يكون بمثابة الشيخ الأول للطالب الجديد يبدأ معه كتابة الحروف على الأرض ويظل يكررها في كل يوم إلى أن يستقر رسمها في ذهنه، وهنا يستحق الغلام حمل (لوح) وهو عبارة عن قطعة مستطيلة من الخشب تصنع من أشجار خاصة تمتاز باللدانة والقوة مثل شجرة الهجليج الواسعة الإنتشار في السودان وفي الخلاوي الكبيرة ألواح مشهورة اكتسبت شهرتها من كثرة عدد الطلبة الذين حفظوا عليها فيتنافس عليها الطلبة ويتفاءلون بها، وتجري عملية التعليم الأولى في اللوح بأن يكتب الشيخ للطالب في البداية بنواة التمر على اللوح ثم يمرر الحوار القلم عليها إلى أن يثبت القلم في يده ثم يوالي الكتابة كل يوم وبذات الطريقة تحت إشراف العريف (كبير الطلبة).
ويحرص في الخلاوي على استعمال وسائل وأدوات معينة في التعليم وهذه الأدوات جلها من البيئة المحاطة بالخلوة؛ فنجد أن اللوح الذي يكتب عليه الطلبة هو من خشب الأشجار الموجودة في نواحي القرية كما أن القلم المستخدم في الكتابة يجري صنعه من مواد محلية أشهرها سيقان نبات الذرة أو أشجار البوص وهي أشجار رقيقة ومجوفة فيصنع كل طالب أقلامه بنفسه ويضعها في كنانة (يسميها الحوار قلامة أو مقلمة من قلم) كذلك على الطالب في الخلوة أن يؤمن لنفسه حبر الكتابة ويسمى عندهم (العمار) ويستعين في ذلك بمواد متوفرة في بيئته، وهي الصمغ مضاف إليه نتاج حرق الفحم (ويسمى السكن والشعر)، وبعد أن يكمل الطالب صناعة العمار يصنع له إناء خاص لوضع العمار يسمى (الدواة أو الدواية)، وهي غالبا ما تصنع من الفخار، وهذه النشاطات المختلفة التي يقوم بها الطالب تكون في زمن محدد وأيام معينة اتفقت عليها كل الخلاوي في السودان، فخصص لكل يوم عملا، فمثلا يوم السبت يخصص للقراءة والمراجعة وتفقد أحوال الطلبة والحيران، ويوم الأحد للدراسة الجادة، ويوم الإثنين يكون مخصصا لجلب الحطب لإشعال النار في الليل (للإضاءة) ويسمى بيوم (الفزعة)، ويوم الثلاثاء يصنع فيه العمار (الحبر)، ويوم الأربعاء تتم فيه عملية قبول الطلبة الجدد وتعقد فيه الإمتحانات وتوزع فيه (الكرامة) وهي بمعنى الصدقة وتكون مما تيسر من حبوب أو تمر أو نقود، ويعتبر الأربعاء أسعد أيام الخلوة وأكثرها حركة، ويوم الخميس يخصص للنظافة والباقي من اليوم فهو إجازة وكذلك يوم الجمعة فهو إجازة أيضا.
وهذا الجدول يعتبر إلى حد كبير ثابتا ومتعارفا عليه بين الخلاوي، ويستمر الطالب في تطبيقه إلى أن يختم القرآن حفظا، الذي غالبا ما يتم في ثلاث سنوات، وتسمى الختمة الأولى للقرآن (الشقة) ثم يبدأ بعدها الطالب قراءة القرآن من الأول (شكل مراجعة) وتسمى (العودة)، وختم القرآن هو أهم مهرجانات الخلوة، فبجانب الولائم التي يعدها أهل الطالب الحافظ هناك موكب كبير يخرج من الخلوة إلى دار الحافظ، يلبس فيه الطلاب أجمل ما عندهم من الثياب وهم يحملون ألواحهم، ويرددون التهليل المدوي فيصطف الناس في الطرقات يبادلونهم الفرحة، وفي ماضي السنين كانوا يزفون المحتفى به على جواد مزين يجهز خصيصا لهذه المناسبة، وبعد تخرج الطالب جرى العرف إذا كان الطالب ممن يجيدون الخط أن يكلفه الشيخ (المدرس) بكتابة مصحف هدية للخلوة، أما إذا كان المتخرج لا يجيد الخط فعليه أن (يدلي) يتلو القرآن مائة مرة ويهدي ثوابه لمؤسس الخلوة، وكلا الأمرين ليس شرطا ولكن أغلب الخلاوي تأخذ به.
وتبنى الخلوة من المادة التي تبنى منها غالب المنازل من الطين والطوب الأحمر والحجر والصوف، وأهل البوادي تكون خلاويهم في الخيام وظلال الأشجار، والخلاوي في أكثر الأحايين تكون على شكل غرفة مستطيلة تحتوي على سرير صغير يجعلونه مكانا لوضع الألواح، وفي ركن قصي من الخلوة يوضع حجر كبير يسمى حجر (المحاية) وهو المكان الذي تمحي فيه الألواح المكتوبة كل صباح لتعاد الكتابة عليها مرة أخرى، ويصنع هذا الحجر في العادة من حجر الجرانيت الصلب، ويكون موضع اهتمام كبير في الخلوة، وفي وسط سور الخلوة يلاحظ الداخل موضع نار وهي معلم كبير لأهل الخلاوي في السودان، وتبدأ قراءة القرآن عندها مع مغيب الشمس (لعدم وجود وسيلة غيرها للإضاءة)، فتشتعل النار بالحطب الذي أحضره الطلبة في يوم الإحتطاب المخصص لذلك الغرض وهو يوم الإثنين ويجلس الشيخ والطلبة (الحواريين) ملتفين حول الحلقة.
ومما يميز الخلوة في السودان أن لطلابها زيًّا تقليديا خاصا يتوافق مع منهجهم في الحياة (التقشف) وهو سمة بارزة عندهم، إذ يتكون الملبس من ثوب عادي من قماش معروف برخص ثمنه وخشونة ملمسه، وفي رجليه ينتعل الطالب حذاءًا يعرف عندهم باسم "الشقيانة".
وقد نالت بعض الخلاوي شهرة واسعة، وأصبح الناس يأتون إليها من كل مكان مثل خلاوي الشيخ ود بدر، خلاوي همشكوريب لصاحبها علي بيتاي في شرق السودان، وتعتبر هذه أكبر خلوة في السودان، ومدينة همشكوريب تسمى "مدينة القرآن" لكثرة عدد الخلاوي بها، كما أن هناك خلوة (أم ضو بان) وهي كذلك من الخلاوي المشهورة، وخلوة كبكابية في غرب السودان.
ولقد كان للخلاوي وما زال الدور الأكبر في صياغة الفرد السوداني المثالي باعتبارها الأوعية الحقيقية للمعرفة، فكل الجيل المتعلم في فترة الخمسينيات والستينيات من هذا القرن هم من خريجي هذه الخلاوي، وهؤلاء هم الذين يقودون السودان حاليا سياسيا ودينيا واقتصاديا.
ومما ينبغي توضيحه قبل ختم هذه المقالة سبب تسمية المكان الذي تشعل فيه نار القرآن بالمسيد، الذي يقال إنه في بعض مناطق اليمن والجزيرة العربية يقوم مقام الخلوة، وكذلك في شمال أفريقيا والمغرب العربي بصفة خاصة، وهو في السودان يقوم مقام المسجد ويكون مكانا لدراسة الفقه والصلاة والتعبد ويحرص أصحابه أو مرتادوه على نظافته باستمرار  فتكنس ساحته وينثر على أرضه الماء ليثبت التراب ويسور بحجارة صغيرة لكيلا يمشي عليه الناس بأحذيتهم كما تنحى عنه الحيوانات لكيلا تعلق به نجاسة.
ويقول البعض أن كلمة مسيد كلمة ليس لها أصل واضح في اللغة العربية ويبدو أنها كلمة عامية غير أن مادة مسد تضم بين معانيها الكثير مثل بطن ممسود أي لين لطيف مستو لا قبح فيه، وقد مسد مسدا ويمكن أن تقاس ممسود على مقتول ومسيد على قتيل فنصل إلى أن مسيد بمعنى اللطف والإستواء الذي لا قبح فيه كما يقول ابن منظور في لسان العرب، فهل أريد بكلمة مسيد ذلك الإستواء في الفصحى العربية القديمة في السودان وتوارثتها الأجيال دون أن تعرف أصولها ومرجعيتها؟!.

وقد قال البروفسير عون الشريف قاسم أن المسجد كان يسمى الجامع والمسيد، وفي بعض بلدان الخليج تقلب الجيم ياء للتخفيف فيقال يهال لجهال وريال بتشديد الياء لرجال أي رجل والهين للهجن أي الجمال والإبل ومسيد لمسجد هذا والله عز وجل وحده الأعلم.

قراءات سودانية - بقلم: د. مجدي الحاج - المقالة رقم: 11 من نتائج أخطاء الخلافة العثمانية في أرض السُّودان

جاء الثائر السوداني محمد أحمد المهدي بيمنه وتواضعه، ثائرا بالحق ولأجل الحق، مهما تضاربت الأقوال واختلفت حول طبيعة الثورة التي أنشأها، وحقيقة نواياه المضمرة من ورائها، فالتاريخ فيها يترنح بين مطرقة المؤيد المغالي، وبين سندان المعارض الجحود، إلا أنها والحق يقال كانت ثورة جهادية في المقام الأول، حافظت على جذوة العقيدة الخالدة، واليقين الراسخ، متقدة في نفوس شعب كامل، حاول أعداؤه وأعداء دينه إطفاءها، ولكن هيهات، وقد صدق الله عز وجل إذ قال: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون"، نعم فالله عز وجل سيتم نوره ولو كره الكافرون وكل من والاهم من حزب الشيطان، لكن قوى الشر عنيدة جدا كما شاء الله عز وجل لها أن تكون، فها هي جيوش كتشنر المشؤومة تزحف كالصل الأرقط الذي يخفي في ثيابه الزاهية الملساء حقيقة الردى، والهلاك في فحيحه الذي يعزف لحن الفناء، وهي تكشر عن أنياب السوء لأهل السودان العزل الأبرياء الوادعين، لكن هذا الصل ما كان له أن يغادر جحره الغائر في الظلام والضباب، لولا عمولة بعض ممن يحسبون على عنصر السودانيين الشريف المحب لأرضه، ومن سايرهم من وضعاء البشر، فالخلافة العثمانية كبدت وما زالت تكبد رعاياها من المسلمين في السودان، ما لا يوصف من صنوف العنت والمشقة، فقد توالت رسل محمد علي باشا لتمتص ما بقي فيه من رمق متوثب لاغتيال الفجيعة والطغيان اللامحدود في تزييف الإحتمال، لكنها سنة الله عز وجل التي قد خلت من قبل فهو يقول: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا"، فقد تدمرت قرية الخلافة العثمانية الجائرة بالكامل، كنتيجة حتمية لصنائعها غير المحمودة، ولم يبق منها إلا أطلال التاريخ التي تعصف فيها رياح العذابات والمرارات الشائهة في نفوس الرعايا المظلومين والمقهورين.
ولا يجادل مجادل، أو يخالف مخالف، في أن الدولة العثمانية في أواخر عهدها، قد انشغلت عن أمر الدعوة إلى الإسلام، خصوصا في أرض السودان، بل ومهدت بشعور منها وبغير شعور، الطريق للمبشر النصراني، والعدو الصهيوني، ليجد ضالته في المجتمع السوداني خصوصا، والمجتمع المسلم على العموم، لذلك فإنه ينبغي على الجماعات الإسلامية فيه بمختلف تياراتها وكياناتها، والتي تشرذمت وتفرقت استجابة لأمر أعدائها، أن تحمل مشاعل الدعوة من جديد، وتحاول بصدق ويقين إنقاذ ما تبقى من الذين يعانون من ظلمة الكفر الداجية في أرض السودان، وفي مناطق التماس مع حدودها الممتدة، وتهديهم بقبس من نور الإسلام ومن شعلة الهداية، وهذا بلا شك هو أعظم واجب قد يناط بها حمله، فكأن يد العناية الإلهية قد اختارتها بعناية لأداء هذه المهمة الجسيمة والمباركة في نفس الوقت، فهي ستنجح أيما نجاح إذا صدقت النية مع خالقها، وعقدت العزم على ذلك، والله غالب على أمره، قال تعالى: "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين".
وآه ثم آه من تعلق الناس بأعراض الدنيا الزائلة، وزخرفها البائد، فكأن الخديوية في مصر قد خشيت من مد الثورة المهدوية، وغيرها من الحركات الثورية والتحررية في وجه سلوكها الجائر والمستبد في السودان وغيره من الأقطار، وتوهمت أنها ستنتزع منها كرسي الحكم، فقد حصلت مناظرة  شهيرة بين علماء الخديوية وهم من الأزهر الشريف، وبين محمد أحمد المهدي، بعد أن بلغهم أمره عن طريق رؤوف باشا ممثلها في الخرطوم، انتهت بهزيمة المهدي وتفنيد أكذوبته، ولعله يكون تاب توبة نصوحا بعدما سمع الحق من أهل العلم غفر الله له ولجميع المؤمنين، فكان أن اعتبرته الخديوية التي بدأت حياتها السياسية بالتفكك - كنتيجة طبيعية لعصيانها وخروجها عن أمر الله عز و جل -، درويشا مجنونا، ينبغي التصدي لإخماد ثورته بشتى الوسائل والسبل، حفاظا على تماسك الجبهة الداخلية التي لم تحطها بالعدل، حتى وإن استدعى الأمر الإستعانة بالكفار من أمثال غوردون وأتباعه، وهو نفس ما فعلته الدولة الفاطمية عندما استعانت بالصليبين الأنجاس حتى تقضي على الأيوبيين، ونفس ما حصل من بعض حكام هذا الزمان ضد العراق وأفغانستان وغيرهما، إلا أنهم قد غاب عنهم أن هذا قد يكلف إخوانهم من المسلمين من أهل السودان كثيرا وقد كان، وقد توهم البعض من السذج أن الإنجليز الأوغاد قد جاؤوا بهدف المصالح لا غير إلى السودان وغيره، وليس بهدف حرب الدين الذي تستر خلف حماية المصالح، ولا يزال يتستر بها، ويسمى بأسماء أخرى في عصرنا الحاضر كمحاربة الإرهاب وسواها، والحقيقة أنهم جاؤوا ليستخربوا، نعم يستخربوا بإصرار شديد ديارنا ولا يستعمروها، والعياذ بالله العلي القدير من السقوط في هاوية المصطلحات الرنانة والبراقة، والتي ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان، فهم ولهذه اللحظة ينعمون بخيرات أراضي الإسلام السودانية التي نهبوها بلا ورع وبلا حياء، والتي لم يتمكن ولاة أمورنا من العثمانيين من الحفاظ عليها كما أمرهم الله عز وجل، فبها قويت شوكتهم، واحتدمت عزيمتهم، ودالت دولتهم، فتمكنوا من زراعة اليهود في قلب فلسطين المحتلة فك الله أسرها، وتجرأت أمريكا وأذيالها على رؤوس المسلمين، تقتل من تريد، وتنهب ما تريد، وكل هم هؤلاء البعض من السذج مطامع شخصية واهية مثل الإنتقام ممن ظلمهم، كالخليفة عبد الله التعايشي، نتيجة لسلوكه المشين فيما يعرف بكتلة المتمة، والقصص حولها كثيرة، ويكفي المتمة فخرا أنها قد أبلت بلاء حسنا في موقعة أبو طليح بقيادة الزعيم المناضل حاج علي ود سعد ضد القوات الإنجليزية الغازية، بل إننا نجد أن البعض منهم يتبجح بأفضال الإنجليز وجمائلهم كما يزعم على البلاد، ويقول بجهل مسفر، وقلة أدب ظاهرة، أنهم قد خدموا السودان بتفان وإخلاص، ووفروا فيه بنى تحتية لا تزال مجدية إلى هذا العصر، وآثارها قائمة إلى الآن، ولكنه ولغبائه وسذاجته المفرطة نسي أن المشاريع الزراعية التي أقامها الإنجليز كمشروع الجزيرة (Aljazeera scheme) وغيره، ما هي في واقعها إلا لزرقة حدقاتهم المريضة، وليس لسواد عيون السودانيين الطيبين، وكذلك فإن خطوط السكة الحديدية، هي لنقل بضائعهم وجنودهم ومعداتهم وأسلحتهم التي استخدموها في قتل الأبرياء من أبناء السودان العزل الآمنين والوادعين فيما بعد، إلى غير ذلك من الشوارع والبيوت والجسور والمباني الإدارية، وبهذا يتبين أن هذا كله كذب ودجل وخداع، فكأن الأمة السودانية بحاجة إلى الإنجليز الأوغاد حتى تتمدن، وحتى يطلق عليها لقب الأمة المتحضرة، والأدهى والأمر من كل ذلك أن يوجد من أبناء هذا الزمان من يتمنى عودة عهود الإستخراب المشؤوم، فتوبوا إلى بارئكم وثوبوا إليه، وخذوا من الإنجليز أجمل ما لديهم، وأفضل ما عندهم، وأهم شيء يملكونه هو عدلهم فيما بينهم، والقاعدة المتعارف عليها تنص على أن الله عز وجل يديل بدولة العدل حتى وإن كانت كافرة فسبحان الله، فعندما هزم الإنجليز في الحرب العالمية، سأل تشرشل عن واقع بلاده إنجلترا، فأخبر أن الإقتصاد فيها منهار، وأن الصحة متدهورة، إلا أن العدل فيها بخير، فقال واثقا مزهوا إذن سننتصر، وقد كان، فأين عدلكم أنتم أيها المسلمون؟!، الذين جاءتكم من ربكم عز وجل عن طريق رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، تعاليم نورانية إذا التزمتم بها لسدتم الدنيا والعالم كما كان شأن أجدادكم، ولكن غيركم التزم بها فرقى وساد على كفره، وأنتم تركتموها فتخلفتم واستضعفتم على إسلامكم!.
ومن الأدلة على ذلك المثل السائد في المجتمع السوداني، المشهور أفراده بعدم الإلتزام بالوقت وياللمصيبة، إذا ما واعد أحدهم الآخر، فإنه يؤكد عليه أن تكون مواعيده منضبطة كمواعيد الإنجليز، ويستشهد بهم في ذلك، ويجحد نعمة الله عز وجل عليه، الذي هداه للإسلام، والذي يعد الإلتزام بالوقت فيه من أهم الأسس، قال تعالى: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا"، وهو يصلي صلاة تنظم له وقته الثمين، قال تعالى: "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا"، فأصبحت مواعيد عرقوب له مثلا كما قال الشاعر المتقدم زهير بن أبي سلمى، وما مواعيده إلا الأباطيل فوا حسرتاه!.
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا          وما    مواعيده   إلا   الأباطيلُ

وما هذه المصائب التي تتوالى على أمة الإسلام الواحدة تلو الأخرى، إلا لابتعاد المسلمين عن حقيقة دينهم، وواقعه المتميز الذي يسعى لرقي الإنسان وتمدنه أكثر من أية فئة تزعم ذلك، فلا أمم متحدة لديها ما لدى أمة الإسلام، ولا إتحاد أوربي يملك ما تملك، ولا ولايات متحدة أمريكية تستطيع أن تلحق بركبها الميمون، ولكنها خطيئة الحسد، ومعصية التكبر، وآفة التجبر.

قراءات سودانية - بقلم: د. مجدي الحاج - المقالة رقم: 10 التراكيب الإسمية في العالمين الإسلامي والعربي عموما والسودان خصوصا وعلاقتها بمدح النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

يقصد بمصطلح التراكيب الإسمية الصيغة المكونة للإسم العلم سواء كانت مفردة أو ثنائية أو ثلاثية أو رباعية، أو فوق ذلك كيفما اتفق، ومثاله فلان، أو فلان بن فلان، أو فلان بن فلان بن فلان، أو فلان بن فلان بن فلان بن فلان، وهكذا، ويكون هذا الإسم مذكرا في العادة، وتتصل جزئياته إن وجدت بلا الرابط ابن فيما بينها، ويصبح لهذا التركيب الإسمي مدلول واضح، ومعنى بارز عند تحري ذلك، فمثلا محمد علم مذكر مفرد له مدلول عميق، ومعنى مشهود، فإذا أضفت إليه علما مذكرا آخرا كالصادق مثلا، يصبح التركيب الإسمي مكونا في هذه الحالة من علمين مذكرين هما محمد والصادق، وعند تحري مدلوليهما يكون المعنى كالتالي محمد أي الرجل الذي صفته التحميد لطيب فعاله، وحسن سجاياه، وهو في نفس الوقت يتمتع بصفة الصدق التي تستوجب الحمد من الناس، وإذا اعتبرت هذا في خلدك، وأعملت تفكيرك فيه بقليل من المشقة، فإنه يتضح لك أنها جملة مدحية تستهدف النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، لذلك فإنه يتوجب أن يكون أحد أجزاء التركيب الإسمي غير المفرد، من ضمن أسماء النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم المعتمدة شرعا، أو أحد صفاته أو كناه المشهورة، أو أي صفة حميدة، أو خصلة فريدة، يمكن اعتبارها مدحا يحال على ذاته الشريفة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وعلى هذا الأمر تدور معظم الأسماء في العالمين الإسلامي والعربي عموما والسودان خصوصا.
وهذه الخاصية العجيبة، والفكرة النجيبة، تعد من ضمن تكريم الله عز وجل لنبيه الكريم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، الذي رفع ذكره، واستعلى قدره، حتى إن التسمية بمحمد أو أحد أسمائه صلى الله عليه وآله وسلم تعد من موجبات البركة، ومجلبات اليمن بلا شك، وهي تفسر قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:"خير الأسماء ما حمد وعبد"، فالتعبيد في التسمية يستوجب العبودية الحقة لله عز وجل، وكذلك فإن التحميد يستوجب الحمد في تحري الأفعال والأقوال، فإن للأسماء بحكم أبعادها النفسية، أثرا في تكوين شخصية الفرد المسمى بها، وفقا لمدلولاتها ومعانيها كما قررت ذلك أحدث الدراسات النفسية التي سبقها الإسلام بحوالي خمسة عشر قرنا كاملا، فقد عرف عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، أنه كان يأمر أتباعه بإحسان تسمية أبنائهم، واختيار أشرف الأسماء لهم، لذلك فقد قال أمير الشعراء أحمد شوقي عندما عارض بردة البوصيري الشهيرة في المدح في نهج البردة، متحدثا عن سر نبوغه في الشعر وفي غيره من العلوم، وعن سر عزته وتساميه بذلك، فهو يبين أن العلة وراء ذلك، هي تسميته بأحمد تيمنا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال فيها:
يا   أحمد   الخير   لي   جاه    بتسميتي
وكيف   لا   يتسامى    بالرسول    سمي؟!
وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أيضا أنه قام بتغيير أسماء بعض الصحابة رضوان الله عز وجل عنهم التي اكتسبوها في الجاهلية، إلى أسماء أخرى تمتاز بوداعتها وحضها على مكارم الأخلاق، فقد جاء في الأثر عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أسلم سلمها الله، وعصية عصت الله"، وهي أسماء لقبائل عربية عاصرت رسالته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وكان مثلا يغير اسم حرب إلى سليم أو سالم أو مسالم كيفما اتفق، ويغير اسم ظالم إلى عادل، وهكذا، وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عز وجل عنه وأرضاه، أنه لقي رجلا فسأله عنه اسمه قال مسروق بن أجدع، قال عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقول:"الأجدع شيطان"، وبمقتضى الحال فإنه قد لوحظ بإحصائيات حقيقية، وبيانات دقيقة، أن أكثر الأسماء انتشارا على وجه هذه البسيطة بين بني البشر، هي محمد وغيره من أسمائه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كأحمد والمصطفى والمجتبى والخاتم والفاتح والوسيلة ومحمود والصادق والأمين والنور وأبي القاسم والكريم والرحمن والمحلل والمبين والمحرم والمجير والعامل والآمر والطاهر والطيب والزاكي والحاشر والعاقب والكاشف والماحي والنذير والبشير والحبيب والسراج والمدثر والمزمل والمرتضى والداعي والمرضي والرضي والهادي والشفيع وطه ويس كما ينص بذلك بعض أهل العلم فقد روي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه قوله: "طه تعني طالب الحق والهادي إليه"، ومن أسمائه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مدني ومكي وقرشي ومضري وكناني وفهري وتهامي وحجازي وهاشمي وعربي وعدناني، إلى غير ذلك من الأسماء والصفات التي تليق بمقام النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فإذا ورد اسم نبي مرسل بشر برسالته، أو صحابي مكرم نصره وآواه، أو فرد مبجل التزم بمنهجه، فإنه يناله من المديح ما يناله وفقا لهذه الخاصية أيضا، وللمزيد من الإيضاح حول مضمون هذه الخاصية السالفة الذكر، تساق الأمثلة والشروحات التالية على كثرتها:

1ـ بشير صالح حسن، تركيب إسمي عند تحليله وفقا للقاعدة السابقة يكون مضمونه جملة مدحية تعني أن البشير محمد صلى الله عليه وآله وسلم، هو رجل صالح القول والفعل، كما أنه حسن الأخلاق، وهي جملة مدحية استهدفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، جاءت عند جمع الأجزاء المكونة لهذا التركيب الإسمي، والتي يلزم وجود اسم من أسمائه المتعارف عليها شرعا، أو أحد صفاته أو كناه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في أحد أجزائه، أو حتى أي صفة حميدة، أو لفظ مريح، يتخيل معناه ويحال في مدح المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ليتم تقبل الصيغة المدحية في وجهها العائد على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كما بينت القاعدة الخاصة بصيغ التراكيب الإسمية السالفة الشرح.
2ـ أحمد شوقي، تركيب إسمي آخر، عند تحليله يعني أن النبي أحمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو شوق قائله، ومثار مكامن حنينه، لأنه أكمل البشر وأفضلهم على الإطلاق.
3ـ الطيب علي محمود، يعني أن الطيب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، علي شأنه، محمود صنيعه.
4ـ تيسير عزام الشفيع، يعني أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، هو تيسير للخلق، وعزام أي شديد العزم على الخير، وهو شفيع العصاة بإذن مولاه عز وجل.
5ـ وضاح المجتبى عبد الكريم، يعني أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وضاح التقاسيم، وهو الذي اجتباه المولى عز وجل لتبليغ رسالته الخاتمة، وهو عبد لله الواسع الكرم على الرغم من ذلك.
6ـ سيف الإسلام الوسيلة محمد أحمد، يعني أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، سيف سله الله عز وجل لنصرة دينه الحنيف، وهو الوسيلة المبتغاة لنيل رضى المولى عز وجل، وهو محمد الفعال، أحمد الأقوال لأنه لا ينطق عن الهوى.
7ـ مكي عامر النور، ويعني أن النبي صلى الله عليه وصحبه وآله وسلم المنسوب إلى مكة، هو نور الخلائق، لأن الهداية لا تكون إلا عن طريقه في ظلمات الحياة، وهو عامر بخصال الخير، ومستلزمات الكمال.
8ـ ياسين الإمام، وعلى الرغم من اختلاف أهل العلم في اعتماد بعض الحروف الإفتتاحية في سور قرآنية بعينها، كأسماء للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، إلا أنها تقبل عندنا للمزيد من التوضيح اللازم، حول خاصية مدح التراكيب الإسمية للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهي في هذا المثال تعد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إمام الحق الذي أرسله الله عز وجل بالقرآن الكريم وأسراره العظيمة من نحو سر الحرفين ياء وسين وطاء وهاء.
 9ـ ناجي مؤمن الأمين، ويعني أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ناج بإيمانه المكتمل، هو وكل من اتبعه بإذن الله عز وجل، وهو الأمين على أمانة الدين وعلى أمانة النفس والمال والعرض.
10ـ صابر الهادي صلاح، ويعني أن النبي صلى الله عليه وصحبه وسلم صبر على أمر الدعوة حتى أدى الأمانة وبلغ الرسالة، وهو الهادي إلى الخير بمشيئة الله عز وجل وليس بمحبة نفسه وهواها، ولذلك فهو صلاح لأتباعه من المؤمنين.
وعلى هذا الأساس المتقدم ذكره، والشرح المسفيض أمره، يمكنك أن تختبر جميع التراكيب الإسمية التالية، والتي قد يكون اسمك واحدا منها، لترى هل يصح اعتبارها مدحا للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، عند تحليل معناها، وتنقيب مضمونها:  
11ـ محمد الحسن الفاروق،
12ـ رفيق هانيء أحمد،
13ـ طه المهدي عبد الصمد،
14ـ محمد حسين الشريف،
15ـ منصور حجازي أبو المعالي،
16ـ حسام الدين أبو القاسم يحيى،
17ـ الماحي نور الدائم،
18ـ التهامي سليمان حمدون محمد صالح،
19ـ نابغ مصطفى الرضي راشد،
20ـ رؤوف ضرغام أحمد الحكيم،
21ـ فريد صفي الدين العاقب،
22ـ سعد فيصل الرشيد الهاشمي،
23ـ مصلح عادل بدر أحمد حماد،
24ـ الواثق عطاء الله النذير،
25ـ مزمل علي أبو الهيجاء،
26ـ محب الخطيب عبد الله الطيب،
27ـ حمد جاد الرب مدثر،
28ـ جمال النعمة أبو القاسم،
29ـ عصام عبد الرحمن الصادق،
30ـ مجاهد سراج الدين محمد الفاضل،
31ـ محمد جمال الدرة،
32ـ معلى محسن الفقيه محمد قرشي،
33ـ همام فيضي سليم طه،
34ـ أريج الطاهر عبد الله مدني،
35ـ إمتثال الطيب منير سالم،
36ـ سعيد رضا محمود السيد،
37ـ إحسان عبد القدوس أحمد،
38ـ محمد قمر الزمان سليم،
39ـ المصطفى تاج الأصفياء الكامل،
40ـ إيمان البحر أحمد عربي،
41ـ سلوى محمود الحسن،
42ـ إبتهاج كرار الطيب سند،
43ـ عبير صفوت سيد أحمد،
44ـ بسام نور الدين أسعد محمد،
45ـ غرة الدهر أبو اليتامى أحمد،
46ـ خالد الأصم عبد الرحيم أحمد،
47ـ نادر محمد أكرم إصلاحي،
48ـ علا أيمن محمود مسرور،
49ـ إخلاص مسلم الحاج أحمد،
50ـ المأمون الخاتم علي الحبيب... إلخ.
ومن العجائب واللطائف التي ينبغي أن تذكر أنه يلاحظ أن أغلب المشاهير في العالم الإسلامي وفي شتى الضروب والمجالات التي قد يكون بعضها ساميا ضمنا ومذبذبا علما يحملون تراكيبا إسمية تتماشى مع الخاصية السابقة من نحو مصطفى كمال ـ أتاتورك ـ وعبد الله الطيب ومحمد منير وطه حسين وأحمد شوقي وعبد المنعم محمد وفتح الرحمن البشير ومصطفى سيد أحمد ومحمد مهدي ـ الجواهري ـ وأحمد ياسين ومحمد جمال الدرة ومحمد عبد الوهاب وغير ذلك من الأمثلة.
ومما ينبغي ذكره أنني قد قابلت في يوم من الأيام الإعلامي السوداني المعروف الأستاذ يوسف قباني وكان ذلك اللقاء في كافتيريا مبنى الإذاعة والتلفزيون في أم درمان من أجل التنسيق لعمل مقابلة إذاعية في برنامجه ونسة عصاري على أثير إذاعة أمدرمان FM 100 وقد أخبرني الأستاذ قباني ضمن مجريات الحديث الذي دار بيننا أنه لما هم بتسجيل ابنه ضمن كشوفات مدرسة كمبوني في الخرطوم وهي مدرسة كنائسية ذات أجندة واضحة ومعروفة انضم لها وللأسف الشديد الكثير من أبناء المسلمين في السودان تحت دعوى جودة التعليم الدنيوي فيها، ذكر قائلا إن القائمة على تسجيل الطلاب الجدد كانت خواجية طليانية على حد تعبيره سألته عن اسم ابنه للتسجيل فلما أخبرها أن اسمه محمد امتعضت الخواجية وفتحت له دفتر التسجيل لتخبره أن لديها في صفحة واحدة ما يزيد على الثلاثين طالبا من المسلمين يحملون اسم محمد فقالت معترضة: "كله اسمه مخمّيد" وفقا لنطقها، مما جعل الأستاذ يوسف قباني جزاه الله خيرا يتراجع عن فكرة إلحاق ابنه بهذه المدرسة لما رأى من علامات كراهية النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في وجه هذه الخواجية الكافرة.
فصلوا عليه يا عباد الله إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.

قراءات سودانية - بقلم: د. مجدي الحاج - المقالة رقم: 9 قصة استشهاد جدي وبانوراما معركة "أبو حمد" بين السودانيين والإنجليز

حقيقة البيعة:
لقد كان جدي الحاج السنوسابي محمد سنوسي بحق واحدا من الأبطال الشعبيين في السودان وفق تقديري الشخصي، فقد كان له بصمة واضحة في حياة مجتمع أبو حمد وجزيرة مقرات الذي عاش فيه، وتفاعل بمعطياته، مؤثرا ومتأثرا، ومتناغما مع دقائق بيئته المحلية، فهو بمواقفه المضيئة، وتجلياته المشرقة في تاريخ السودان الحديث، يستحق بجدارة أن نجعل منه محطة مترفة للتوقف والإستدراك المستبصر، ومرجعا تاريخيا فذا، لأنه ممن نال الشهادة بصدق كما نحسب ولا نزكي على الله أحدا، ولا نبالغ إذا قلنا إنه كان وما زال رمزا حيا للمؤمن المناضل المنافح، الغيور على دينه وعقيدته، العاشق لتراب أرضه، والذائد عن حياض وطنه، وعلامة بارزة للقيم والمثل العليا التي ترسخ في نفوس الأبناء ميراثا يعضون عليه بالنواجذ، خلفه لهم الآباء الصالحون حتى يورث للأحفاد جيلا من بعد جيل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ما دام هذا متحليا بزي التقوى ومتدثرا بدثار الإيمان، قال تعالى: "ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم".
فقد كان رحمه الله عز و جل واعيا تمام الوعي لمضامين بشارات النصر والتمكين المبثوثة في كتاب الله العزيز، وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، عندما نادى المنادي للجهاد المقدس، لذلك كان من أوائل المنضمين إلى قوافل العزة والإباء، والتي جسدتها في تلك الفترة قيادة محمد أحمد المهدي، الذي بدأ بنشر دعوته، والتبشير برسالته، وأيا كان رأي جدنا الحاج السنوسابي - ولا أقول رأينا نحن - فيها، فإنه قد رأى فيها تجسيدا حيا لمضامين الجهاد والكفاح الإسلامي، والوقوف في صف المنعة والإباء الإنسانيين ضد كل ما  يخالفهما، وضد كل من يحاول أن يعكر صفوهما، أو يشتت شملهما، فهب من مكانه منتفضا كالهزبر المستثار، مفارقا محط الراحة والنعيم، ومحبة الأهل والأولاد، وطاعة الإماء والعبيد، ليقطع الفيافي والقفار، ليعاين الدعوة الجديدة التي بدأت بوادرها تظهر في الآفاق، وشهرتها تطبق في كل ناحية، فما الغضاضة أو القصور أو العيب في أن يختبرها بنفسه، وأن يعرف مضمونها وحقيقتها بجلاء، فإن وافقت بعضا من هواه ولا نقول كله، فليكن من أنصارها ومن خيرة مؤيديها، وإن اتفق معها في أجزاء واختلف معها في أخرى، فإنه من الحنكة بمكان حتى يعذرها فيما اختلف معها فيه، ويتعاون معها التعاون المأمور به، قال تعالى: "وتعاونوا على البر و التقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"، فسار بمن معه من الأهل والأتباع حتى لقي محمد أحمد المهدي في مناطق انتشاره الأولى في ولاية النيل الأبيض حاليا، بالقرب من جزيرة "لبب" النيلية، والتي تعد معقلا لأنصار المهدي وإلى هذا العصر، وقد كانت هناك وفود عريضة من قبيلة الرباطاب الميامين، يحدها نفس الشعور معه، فلقيه براوية حفيده الحاج الذي سمي باسمه في منطقة "شبشة"، وهي من أعمال ولاية النيل الأبيض الحالية، فبايعه بعد أن أصبح متوثقا لحقيقة دعوته، وأنها دعوة لإقامة الكتاب والسنة والجهاد ضد أعداء الأمة، وعذره فيما زاد وهل هو حقا مهدي آخر الزمان المنتظر، أم أنه مجرد ادعاء أو توهم، إلى غير ذلك من التفاصيل.
وربما يكون التقاؤه مع محمد أحمد المهدي في النسب العباسي، من ضمن أسباب التناغم التاريخية بينهما، وهو سبب قوي قد لا يظهر للعيان من أول وهلة، فالمهدي كما يقال شريف حسني من جهة ثلاثة أجداد، وشريف عباسي من جهة الجد الرابع، وهذا استنتاج قد يكون صحيحا، فالأدلة على ذلك مستساغة جدا ومقبولة، فقد اعتد به المهدي أيما اعتداد، خصوصا لما عرف من أصله الكريم، وأرومته الزكية، ومحتده الطيب، وشهامته الوافرة، فقد كان رحمه الله عز و جل فارسا صنديدا ذو دراية بميادين القتال وأرض الحروب، إذن فهو نبيل من نبلاء زمانه، وشريف من أشراف عصره، تستجمع فيه خصال القيادة، وأمارات الريادة بكل أركانها، كيف لا وهو سليل الخلفاء الأماجد، وحفيد الأشراف الأكابر، بشرف العلم وخلافة اليقين إن لم يكن بالخلافة المعهودة، فعقد له المهدي لواء الأشراف العباسيين بيديه الصابرتين، فأصبح حاملا لراية العبابسة منذ ذلك اليوم وإلى أن استشهد رحمه الله عز وجل.
وقد كان بغض النظر عن اتفاقه أو اختلافه مع دعوة المهدي، يعرف أن التوحد ضرورة لازمة، وحقيقة قائمة، إذا ما حوصر الوطن، وأرهقت الأمة من قبل العدو الخارجي، وبذلك فهو يعي تماما الدرس التاريخي الذي خلفه لنا الخليفة المهدي الراشد، وباب مدينة العلم الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، حينما قال: "والله لو فعلها هرقل، لوضعت يدي في يد معاوية"، متناسيا خلافه معه، وغافرا حسد بني أمية لبني هاشم وكيدهم لهم، اللهم ما أشبه اليوم بالبارحة، والحاضر بالماضي، لكن قليل هم من  يتفكرون أو يبصرون، وإن كانت العيون في حدة نظرها كعيني زرقاء اليمامة، أو ربما أشد حدة، ولكن الصواب كل الصواب قد لا يجانب إذا تأول متأول قوله تعالى: "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"، على أمثال هؤلاء الجناة وأشبهاهم، الذين يغص بهم حلق أمة الإسلام، أمة الخيرية، فلا هو قادر على التبيين، ولا هو قادر على لفظ ما علق به من أوشال، ولا هو متمكن من تنفس الصعداء على أسوأ تقدير.  
وقد كان الحاج السنوسابي مواكبا تماما لما يجري من حوله، ومتابعا لما يدور في فلك الأحداث في محيطه، القريب منه والبعيد على حد سواء، إذ أنه كان يمتهن التجارة، تلك المهنة الشريفة التي نعتها الإمام الشافعي عندما قال: "جعل تسعة أعشار الرزق في التجارة"، إذ كانت تجارته الرابحة قائمة بين أسواق أبي حمد وجزيرة مقرات، وأسواق القرى الطيبة شمالهما وجنوبهما، فمثلا كانت له صلات تجارية واسعة عبر تجارة المراكب النيلية الشراعية مع تجار مدينة شندي وما جاورها، يأتيهم محملا بالتمور وما ندر من محاصيل منطقته، فيبيعهم ويشتري منهم، أو يقايضهم في أحيان كثيرة، متحديا بصلابة ورباطة جأش، معاكسة الهواء، ومخالفة التيار، وانحسار الفيضان المبارك، إذن فتاريخه تاريخ تجاري وزراعي بحت، وفي نفس الوقت فهو صاحب شخصية قيادية واسعة التأثير، لما لها من ماض عريق، وإرث مؤثل، خلفه الأجداد عبر مر العصور، وهي الآن تريد أن تمتهن مهنة من نوع خاص، ليس لها شبيه أو مثيل، حقلها هو الديوان الإلهي،إنها  الجهاد في سبيل الله عز وجل، بالنفس والمال.
وقد كان من تيسير الأقدار السعيدة، أن له قرابة في منطقة ود بري، حيث أن ذرية من أبناء محمد سنوسي، قد ابتعثت لدراسة القرآن الكريم في خلاواها وكتاتيبها المشهورة قديما، وهما الشيخ أحمد البدوي، والشيخ محمد صالح، وكان من عادة أهل السودان ككل، وخصوصا الفضلاء منهم، ابتعاث فلذات أكبادهم مهما عظمت الشقة، حتى يكتسبوا البركة بحفظهم للقرآن الكريم وتعلمهم له، وإن كان تعلمه أولى والخيرية فيه، لقول النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، ولم يقل خيركم من حفظ القرآن وحفظه، وقد كانوا يختارون لذلك الجيد والممتاز من الشيوخ والمعلمين، ومن ثم فقد استقر هؤلاء الشيخان الجليلان في منطقة ود بري بحق الرحم القرآنية فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وقد كان جدنا الحاج السنوسابي بشمائله الكريمة، وخصائصه المتميزة، يزورهما صلة للرحم بين الحين والآخر، في رحلاته التجارية عبر المراكب النيلية، وكان أن صادف إحدى بنات عميه هناك، وهي آمنة بت أحمد البدوي، فتزوجها وأنجب منها الطيب وأحمد، وتزوج من أخرى في الرباطاب كان من ذريته منها محمد وعلي وغيرهما، ممن لا يسعفنا الحال هنا لذكره، ونسله منها موجود الآن في جزيرتي مقرات وكنجقيلي، ولهم جميعا نسل طيب مبارك ميمون، ومن شقيقات الحاج السنوسابي السهوة  والرسالة، وأخريات، وأقارب كثير ممن توفي برأسي مقرات وكجنقيلي، ومنهم من نال شرف الشهادة معه في أبي حمد.
إذن فقد كان جدنا الحاج السنوسابي وباختصار يبحث عن العزة في الجهاد، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، قد بين للمسلمين أسباب ذلتهم ودواعي هوانهم، فقال: "إذا تبايعتم بالعينة، وأمسكتم بأذناب البقر، وأصبحتم زارعين، وتركتم الجهاد، ضربت عليكم الذلة، ولن تعزوا حتى تعودوا إلى دينكم".
لماذا أبو حمد؟!:
كانت قيادة السير هيربرت كتشنر، القائد العام للقوات الإنجليزية الغازية، قد وضعت البعد الجغرافي لأبو حمد شمالي السودان في خلدها العسكري، إذ أنها تتمتع بامتيازات واضحة جدا بالنسبة لها، فهي قريبة من معسكرها الرئيسي في مروي، ومن قبل فقد أقام بها غوردون باشا، بعض التحصينات الحربية، وهي أيضا ليست بذات أهمية تذكر بالنسبة للدفاعات المهدوية، التي بدأ التخلخل المهلك بالسريان في عروقها المتعبة، كنتيجة حتمية لعدد من الأخطاء القاتلة التي ارتكبت في عهد خليفة محمد أحمد المهدي عبد الله التعايشي، وعليه فإنه من الممكن بكل سهولة - كما صورت تدابير الغزاة - إرسال فصيل صغير من الهجانة المدربين للإستيلاء عليها، إلا أن الواقع كان مختلفا تمام الإختلاف، فقرر مهندسوا خط السكة الحديدية جعلها المحطة التالية لهم في الأراضي السودانية - بعد مدينة وادي حلفا -، لأن الطريق المؤدي لها صحراوي ووعر، كما أنه شديد القسوة، وليس به أي آبار أو تحصينات يمكن أن يستفيد منها المجاهدون من أنصار المهدوية، لقطع الطريق على عمال السكة الحديدية، وبالتالي قطع الطريق أيضا على القوات الغازية، إذن فقد كان لا بد من سقوطها في قبضة الإنجليز وأشياعهم قبل كل شيء، وبأسرع فرصة ممكنة، وهذا ما كان يرمي إليه سردار السوء كتشنر.
 كما أن الإنجليز الأوباش كانوا يسعون سعيا حثيثا من أجل الإستفادة من خاصية الرياح الشمالية القادمة من مصر والشمال الإفريقي عبر صحراء العتمور والتي يساعد هبوبها في تحريك نقليات أسلحتهم ومعداتهم بعد الوصول إلى أبو حمد حيث ينحني النيل إنحناءته المطلوبة بعد مروره بصورة مستعرضة من إتجاه الشرق إلى الغرب ناحية مروي فيصبح اتجاه مروره من الجنوب إلى الشمال حيث يعاكسه مسار الريح الشمال التي تبز قوتها قوة اندفاع مياه التيار النهري وبذلك يتملكون ناصية العوامل الجغرافية والبشرية كما كانوا يعتقدون لكن هيهات.
حقيقة الغزاة:
وكان أن تقدمت قوى البغي والعدوان، تجرجر أشياعها ممن ارتضى بيع دينه بثمن بخس، من وضعاء السودانيين، ومن أوباش المصريين، ومن غيرهم من الدهماء، يتبعهم في ذلك بعض ممن غرر به وهو مكره، إلا أن قلبه مطمئن بولائه للدين والوطن، قال تعالى: "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"، ويقود هذه الشرذمة الشقية شيطان الإنجليز الأعورالسردار كتشنر، المملوء حقدا، والمحنق غيظا، إذ جاء لهدفين أساسين، الأول حماية مصالح الإمبراطورية البريطانية العظمى، والثاني الإنتقام لمقتل الصل الأرقط غوردون، الذي طهرت المهدوية منه أرض السودان، بعد أن عاث فيها فسادا وتخريبا، ونكل بأهلها تقتيلا وتعذيبا، وبث فيها سمومه التبشيرية بالباطل، فها هو يقول في مذكراته الخاصة، التي تكشف بما لا يدع مجالا للشك عن لآمة طبعه، وحقارة أصله، وسوء سجاياه، وقبيح نواياه، والتي كتبت لها النجاة من الضياع لتكون لمن بعدها آية وحجة:
"من الغريب أن هناك صفات عديدة تجمع بيني وبين يوحنا الرابع، فهو مثلي متدين وشديد التعصب، وله رسالة في الحياة يحرص على أدائها، وهي تنصير كافة المسلمين".
أليس هذا وحده يعتبر كافيا ليكشف عن حقيقة المهام القذرة التي كان يقوم بها هذا الغوردون، الذي كرمته الخديوية العثمانية في مصر، ومنحته لقب باشا، ذلك اللقب الذي لا يمنح إلا للنبلاء والفرسان، كتعبير عن الإمتنان والشكر نظير خدماتهم المقدرة في سبيل الحكم، وكرسي العرش، وعلى كل فهل كانت الخديوية ممثلة في إسماعيل باشا قد كلفته بهذا النوع من المهام؟!، أم أنها لا تدري بحقيقة نواياه؟!، فانظر إلى خيانة أمراء الإسلام الذين ولاهم الله عز و جل أمر أكرم أمة!، فهذا الخديوي عضد خليفة المسلمين، يمكن من يريد السوء برعايا دولته، وهل من سوء يضاهي إضلالهم وإبعادهم عن جادة الحق، فإن كانت هذه نيته حقا فيا لها من طامة كبرى، ومأساة حقيقية، وإلا فهو جاهل جدا وساذج لدرجة التغرير به بمنتهى الإستخفاف، حتى يعلن خيانته ومروقه من الدين، ومفارقته للجماعة، اللهم إن الجواب لن يخرج من هذين الإحتمالين البائسين، وما أكثر من يشبهه من حكام المسلمين اليوم.
إلا أن الإستغراب والدهشة، لن يجدا لهما طريقا في نفوس المؤمنين، إذا علم أن ميتة كل من غوردون، ويوحنا الرابع إمبراطور الحبشة، قد تمت بنفس التفاصيل على يد المجاهدين من أنصار المهدوية، فقد مكرا مكرا كبارا تكاد تزول منه الجبال، و مكر الله عز و جل لعباده المؤمنين، وصدق عز من قائل: "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، وقال أيضا: "ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون"، فهذا قتل في الخرطوم على يد المهدي نفسه، والثاني في المتمة الحبشية في معركة القلابات عام 1889م بقيادة محمود ود أرباب وقيل عبد الله التعايشي.
ويقصد بيوحنا الرابع الإمبراطور الإثيوبي يوهنس، الذي قتلته المهدوية في القلابات كما ذكرنا، علما أن أباطرة أثيوبيا من النصارى قد اشتهروا بقسوتهم اللامحدودة على المسلمين، وما نقموا منهم إلا أن قالوا ربنا الله، وكان آخرهم هيلا سيلاسي الذي نكل بالمسلمين أشد التنكيل.
ومن قبل فقد قتل كلب الإنجليز هكس في معركة شيكان الشهيرة، والحقيقة الواضحة أن غوردون قتل وهو لم يستطع تنصير كافة المسلمين، لكنه استطاع أن يبث بعض السموم من هنا وهناك ضد المسلمين، وذلك ببداية تأسيس حاجز الكراهية والبغض بين شمال السودان المسلم، وبين جنوبه الذي كان يمكن أن يكون مسلما، لولا أنه أصبح فريسة سهلة للمستخرب الإنجليزي النصراني، الذي خرب نفوس أهله الوادعين، وهدم فطرتها السوية بإبعادها عن دين الفطرة الحق، ألا وهو الإسلام، قال تعالى: "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين"، فاستجاب بعض من هذه النفوس الحائرة، لأمر الدخيل الشرير فيما بعد، وتنصر، فكانت هذه أكبر مصيبة تحل عليها، إذ حرمت من نور الهداية لتبقى ضائعة في ظلام الجهل والخذلان.
ولأجل هذه الإحتمالات وغيرها، كان لا بد من التصدي لهذا الشر القادم بكل قوة، وهو ما اقتنع به أغلب المؤمنين في أرض السودان، والتزموا ببيعته مع محمد أحمد المهدي.
الزحف المشؤوم:
والآن فإنه لا بد لنا أن نتخيل سير الأحداث بأفظع سيناريو تراجيدي مؤثر، فقد تمت التحضيرات بسرية كاملة لإرسال فرقة عسكرية سريعة للإستيلاء على أبو حمد، إذ قدرت الإستخبارات الغازية، وجود ما يقارب ستمائة مجاهد محارب، يعسكرون في حامية أبي حمد السعيدة، ينتظرون إحدى الحسنيين، فإما حياة تسر الصديق       وتبهجه، وإما ممات يغيظ العدو ويسخطه، تحت إمرة محمد زين من الرباطاب، والحاج السنوسابي من العبابسة – وهو جدي الثالث لأبي -، إلا أنه و من منطلق الحنكة الحربية، والحصافة الإستراتيجية، واتباعا لسياسة أسوأ الإحتمالات، ومن أجل ضمان نتائج مؤكدة، فقد تقرر إرسال لواء كامل، يتكون من كل الأسلحة، وعلى رأس قيادته آركبالد هنتر في كتيبة سلاح الفرسان، وماكدونالد في لواء المشاة، تغطي جبنهم المؤصل مدفعية ثقيلة، استخدمت بكل قسوة ضد المدنيين العزل في أبو حمد، رغم أن عدد القوات الموضوعة تحت إمرة هنتر كان يبلغ ستة أضعاف عدد قوات المجاهدين في حامية أبي حمد العسكرية، إذ يبلغ حوالي ثلاثة آلاف وستمائة جندي منحوس، ولخطورة الوضع فقد أوقفت القيادة العليا جميع العمليات العسكرية في القطر السوداني حتى الإنتهاء من عملية أبو حمد، حتى أن خط السكة الحديدية قد أوقف تقدمه في قلب الصحراء الملتهب.
فبدأت قوات اللواء المنكود بالتجمع في قرية الكاسنجر، حيث دفن الشيخ السيد الشريف أبو العباس شرف الدين بن يعقوب، جد العبابسة السودانيين والذي ينتمي إليه جدي الثالث لأبي الحاج السنوسابي الذي استشهد في معركة "أبو حمد"، وكأنه ينظر بعين الأنفة والإباء، إلى هذه القوات البائسة، ويرمقها بطرف العنفوان الإيماني، إذ أنها ستغتال عما قريب حفيده وبعضا من ذريته في أبو حمد، إلا أن السرور الفائض، والسعادة المنعدمة النظير، والحبور المستشرف، والغبطة الفائقة، تملأ عليه ضريحه الطاهر، لأن يد العناية الإلهية قد اختارت أصفياء من نسله، لينالوا شرف الجهاد في سبيله بالنفس والمال، ومن ثم الفوز بجائزة الشهادة، فالمولى عز وجل يقول: "ويتخذ منكم شهداء"، وطبيعة الإتخاذ هذه تقتضي الإصطفاء والإجتباء بفضل منه وإكرام، وتبعد الكاسنجر عن مروي حيث قاعدة الغزاة الآثمين، بضعة أميال على يمين النهر أو الشاطيء الذي تقع عليه أبو حمد.
وقد بدأ هنتر ومن معه من الشياطين، مسيرتهم التدميرية في التاسع والعشرين من شهر يوليو من العام 1889م، لقطع المسافة بين الكاسنجر وأبو حمد، و التي تبلغ حوالي 146 ميلا، محاطين بسرية كاملة، حتى لا تصل أخبار الحملة إلى المجاهدين فيتمكنوا من طلب النجدة من المركز في أم درمان، فتصعب المهمة أكثر مما هي عليه، ويجعل القوات غير قادرة على الإستيلاء على المدينة، وبالرغم من السرية الشديدة المضروبة حولهم، وكافة الإحتياطات الصارمة، والتدابير العديدة، فقد وصلت أخبارها إلى المجاهدين، وقد لعبت تحركات الأعراب والبدو الرحل في الصحراء الذين يدينون لأبو حمد بالولاء، دورا كبيرا في ذلك، فووجهت الحملة بصعوبة فائقة، إلا أنه ونظرا لعدة أسباب وجيهة سيأتي ذكرها لاحقا، فقد فشلت محاولات طلب النجدة جميعها جزئيا، وقد ساعدت حامية بربر بالقليل من الإمدادات المتأخرة لنجدة أبو حمد، بحسب إمكانياتها العسكرية المتواضعة، وذلك بعد سقوطها المؤلم.
جنود لم ترى:
وكان من تيسير الأقدار السعيدة أن ساهمت عوامل الجغرافيا العنيفة، والظروف الطقسية المعتبرة، كثيرا في منع تقدم القوات الغازية بصورة فعالة، وتعطيل سرعتها المطلوبة، فقد اضطرت حرارة الجو وقساوته، وتأثيرات الشمس المحرقة، القائد هنتر إلى إتمام السير ليلا في أغلب مراحل مشوار الحملة المشؤوم، لكن هذا الحل الجزئي لم يمكنه من الإستفادة الكاملة من هذه الخطة، نسبة للسير في أراضي رخوة شديدة الوعورة على طول النيل في صحراء المناصير الغير مأهولة، والتي يطمس الظلام الدامس أهم معالمها الموحشة، والتي تزحف باستمرار نحو حافة النهر، إذ يتقطع هذا الأخير في أجزاء كثيرة، مما يكون شلالات صغيرة خطرة للغاية عند ظهور الصخور، ولم يكن من شاهد للحياة في تلك المنطقة، غير ظهور أشجار من النخيل الشامخ، أو بيوت من الطين الذي يرى ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، ويتمنى بحسرة ومرارة لو أنه لم يكن أصله ومادة تكوينه الخام، كان الجنود التعساء يعانون بحق من الرمال الناعمة، التي جعلت أقدامهم تغوص حتى الركبة في أحيان كثيرة داخلها، يضاف إلى ذلك إمتلاء أحذيتهم بالرمال والوحل، واكتوائهم بالحجارة البارزة التي تحتفظ بحرارة الشمس بالرغم من حلول الظلام، وهبوب الأنسام الباردة، ولعل بعضهم يخشع لأنها تذكر بالجحيم، وتشعر بصدقية وقوع العذاب، ونزول الوعيد، كما أن بعضا من الحشائش والشجيرات الشوكية، تصر على وخزهم بين الفينة والأخرى، لعلها تصيبهم بالألم، وتدميهم انتقاما للحق، لعلهم يرعوون ويثوبون إلى رشدهم، لكن هيهات.
وبالرغم من كل ذلك، فقد استمر طابور القوات الغازية يواصل سيره في خط طويل، وهو يصارع ويتلوى بألم، كأنه ثعبان يرقص من شدة الألم على الرمال الملتهبة، وكم من شقي منهم لقي حتفه جراء لدغة ثعبان أو عضة أفعى، أو قرصة عقرب، أو وخزة عنكبوت، وكثيرا ما أعوزهم التزود بالمياه النقية الباردة، والنيل على مرمى رمح أمامهم، ينفرهم من ذلك تمساح يمد رأسه باشمئزاز نحوهم، ويكشر عن أنيابه بشراسة، أو فرس نهر يرمقهم بغضب، أو قطيع من الضباع الثائرة والمحنقة، كأنها تبثهم لعنتها، بينما لا يقدرون على إضاعة طلقة واحدة في أي منها، حفاظا على ذخيرتهم العزيزة إلا في الباطل، وتوفيرا للعتاد المبذول في الظلم، وعليه فقد كان السير بطيئا ومتعبا للغاية، مما اضطر القائد المشؤوم إلى إيقاف التقدم عدة مرات، خاصة أن بعض أفراد كتيبته قد ضلوا أكثر من مرة من البقية،     ووصلوا في حالة يرثى لها من الإعياء، بعضهم قد ضربته الشمس بفأسها القاتل، وبعضهم الآخر حصبته الرياح العاصفة بذرات من الرمال المهتاجة، والبعض الآخر هدته نقليات المدفعية الثقيلة، التي سببت له انهيارا ضمنيا في المعنويات، لشدة شعوره بأزمة الإستعباد الخانقة، فاستهلكت الليالي كل ما تبقى لهم من قوة، وأرهقهم السرى والإدلاج، وكثيرا ما سقط الجنود ليلا من شدة الإنهاك وغطوا في نوم عميق، إلى أن يأتي من يوقظهم بلهجة أمر حادة، لا رحمة فيها ولا شفقة، وكل هذا وسواه كثير، يعد من جنود ربك الحق، وما يعلم جنود ربك إلا هو، وصدق الله العظيم عندما قال مخاطبا أهل بدر وهم المجاهدون في كل عصر وأوان:"وأيدكم بجنود لم تروها"، لكن الشيطان ما يزال يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا.
مقاومة الأبطال:
وفي الجانب الآخر، فقد ظلت قوات المجاهدين تراقب تقدم الغزاة عن كثب، وهي تنتظر اللحظة المناسبة حتى توجه لها ضربة موجعة، تخلد رحلتها المشؤومة في ذاكرة التاريخ المنصف، ليصبح فيما بعد مرجعا للعزة والإباء، وسفرا للمقاومة الباسلة، التي تستمد حياتها من الإيمان الصادق، ومن اليقين الحقيقي، وقد كانت العيون الموالية لهم، تغذيهم بالأخبار أولا بأول، كما كانت مجموعات من الأهالي تحاول تأخير تقدمهم بأي شكل من الأشكال،  وذلك بتثبيطهم، وإخلاء القرى العامرة في طريق طابورهم الغاشم، وردم الآبار وتغويرها، حتى لا يمكنهم الإستفادة منها، وهو تجاوب تلقائي مع المجريات لا علاقة له بالدولة ولا أوامر الحكام، وعليه فقد تمكن المجاهدون من جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات والبيانات المطلوبة حول قوات هنتر، فعرفوا عددها، وإمكانياتها التسلحية، ومقدار طموحها المعنوي، مما دفع الغزاة لتغيير مسارهم في كثير من الأحيان، وجعلهم يدركون أن قوات المجاهدين في حامية أبي حمد، قوات لا يمكن تجاهل أمرها، وأن تقديراتهم لم تكن مصيبة في أغلب الأحيان حولها، وكثيرا ما كانت طلائع المجاهدين تخاطر بشجاعة منقطعة النظير، وتحاول الإشتباك بالغزاة، رغم عدم التكافؤ الظاهري والباطني بين الجانبين، ماديا بالأسلحة والعتاد في جانب الغزاة، ومعنويا بالصبر والإيمان في جانب صناديد المقاومة من المجاهدين، وعند اقتراب الغزاة من الطريق المؤدية إلى أبي حمد، جاءتها مجموعة من الإطلاقات النارية من الشاطيء المقابل، وذلك لكي تعرف أن أمرها قد انفضح، وأنها مراقبة مراقبة لصيقة من قبل المجاهدين، الذين لم يعبؤوا بخيانة بعض قبائل الأعراب قرب أبو حمد، فقد انضم الشيخ عبد العظيم ومعه حوالي المئة وخمسين رجلا من قبيلة العبابدة على ظهور الجمال إلى القوات الغازية، وبالتالي فقد لعبوا دورا مفصليا في كشف عورات أبي حمد المكلومة التي لم تخذلهم في يوم من الأيام أو في لحظة من اللحظات، فساعد ذلك بطبيعة الحال في انهزام حاميتها الصابرة، وهكذا فإن أمة الإسلام لا تهزم إلا من قبل خيانة من يحسبون عليها الخيانة العظمى، وذلك بغض النظر عن الأسباب الحقيقية التي تدفعهم لمثل هذا الفعل الشنيع، فلا مبرر يسيغ خيانة الله عز وجل، وبيع دينه والتخلي عن الوطنية الحقة، وهذا فعلا ما أصاب المهدوية في أشد مقاتلها حساسية، إنه مقتل الثقة المتبادلة بينها وبين رعاياها.
 سقوط الحامية:
وبالرغم من جميع ما كان، فإن استحكامات المجاهدين الدفاعية كانت جيدة إلى حد بعيد، فقد تم حفر خندق حول القرية، يغطيها من الأمام، بينما شكلت التلال الطبيعية حائط الصد من الناحية الخلفية، وتمركز بعض من المجاهدين في الأبراج الحجرية التي أقامها كلب الإنجليز القذر غوردون قبل فترة في مقدمة أبي حمد، بينما تتناثر العديد من التجمعات الحجرية، وهي تبدو كالحراس الغلاظ الشداد حول البيوت الطينية، التي فتح المجاهدون فيها طاقات الكفاح لبنادقهم المتواضعة مبنى، والمتسامية معنى، إذ أنها فقط ما استطاعوا أن يعدوه من قوة في مجابهة طوفان أسلحة الأعداء المتطورة، وبالرغم من كل ذلك فقد كانت فاعلة أيما فاعلية، وقد كبدت القوات الغازية خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، لأن من يستخدمونها كانوا أقوياء بالإيمان، وما رموا إذا رموا ولكن الله عز وجل وحده هو الذي رمى بقدرته، بينما تجد طلائع ميمونة من المجاهدين، في أزقة وحواري القرية الوادعة، وهم على أتم الإستعداد وأهبته للدفاع عن الأرض والعرض، وكعادة المؤمنين الصادقين عند الملمات، وعند حلول الرزايا والمصائب الجسام، فإن أول وآخر من يلجأوون إليه، ويبثونه وجدهم وأحزانهم، ويشكون ظلم الغير له، هو الله العادل الناصر، فتسارعت نساء القرية الصابرات، ومعهن أطفالهن الأبرياء، وشيوخها الأجلاء، ورجالها المتحفزين، إلى مساجد القرية الوادعة، وزواياها الطاهرة، عند أذان الفجر الأول، تجأر إلى الله عز وجل ضارعة وراجية أن يكفيهم شر أعدائهم، ويحميهم من كيدهم وأذاهم، ويضعونه بيقين في نحورهم، وقد كان، فقد استجاب لتضرعهم، وعبيء بدعائهم، فكان الشر نسبيا، والأضرار محدودة، إلا ما سبق في علم الله، ليقضي الله عز و جل أمرا كان مفعولا، فجفلت مجموعة من الإبل المحملة بالمؤن والذخائر، وحرنت عن الإستجابة لأمر حداتها المذهولين، حتى أشجار النخيل الطاهرة المكرمة أبت إلا أن تشارك المجاهدين النبلاء جهادهم المقدس، فلانت جذوعها الصلبة، حتى يتمكنوا من تسلقها لمراقبة تحركات الأعداء، الذين كانت نيرانهم الرعناء تستهدفهم بلا رحمة، فما يلبث الرجل منهم بعد أن يخبر إخوانه بموقع شراذم الغزاة واتجاه تحركهم، وبعد أن ينال من عزة نصرتهم للباطل الزائفة، حتى ترديه إطلاقة نارية جامحة، لتهب له حياة الخلود والكرامة في جنة عرضها السماوات والأرض، ليجد نفسه تحت ظلال نخيل الجنة على الأرائك يقابل إخوانه الذين سبقوه بالإيمان والشهادة، ولعل بعضهم لم ينسى قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، أن يوصي بجنائن النخيل، التي كانت كل حياته، فمن تمرها العذب تغذى، وعلى ظلها السجسج ترعرع، ومن جريدها المرموق صنع متاعه، ومن جذوعها الفتية عرش بنيانه، فيا له من تناغم مشهود، وعند أول ظهور الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وبداية ظهور الأشعة الذهبية للشمس الحانقة، التي لم تكن تريد الظهور في ذلك اليوم المقدور، عمت ساعة من الهدوء القاتل، أعطت الطرفين مندوحة من الوقت الكافي لالتقاط الأنفاس وتنفس الصعداء وتهدئة الضمير المضطرب، الذي تعبث به شياطين المخاوف وهواجس القلق من المصير المجهول كأنه ريشة طائر مذبوح تتقاذفها الأرياح يمنة ويسرة، فأعاد كل منهما تنظيم صفوفه، وباشر الإستعداد للإشتباكات التالية بكل عنفوان وقوة، خصوصا وأن أشعة النهار قد غطت الأفق الحزين، وأصبح كل فريق يرى ملامح الفريق الآخر بكل وضوح، فكانت المفاجأة المزعجة بالنسبة للمجاهدين، إذ رأوا أن من يتصدر صفوف الأعداء هم من أبناء جلدتهم من السودانيين، فأصابهم ذلك بحزن عميق، بالرغم من معرفتهم المسبقة بوجودهم في طوابير الحملة، إلا أنهم و لآخر لحظة لم يكونوا يتوقعون مقابلتهم في قتال وجها لوجه، فلا الشرع يسيغ لهم ذلك، ولا مكارم الأخلاق تسمح بمثل هذه الأمور، فما معنى أن يقتل الأخ أخاه لمصلحة عدو متنكر في ثياب الأصدقاء، وصدق الشاعر الطيب محمد سعيد العباسي حينما تحدث عن مثل هذا المعنى في قوله:
و من  قومي  سوى   قوم  أراهم        يعادون   العدو    كما    أعادي
و يعتنقون  دينا    وهو    ديني        وينطق   كلهم    ضادا   كضادي
ويجمع   بيننا    نسب   عريق        يوحد   بيننا   من    قبل    عاد
ولهذا الأمر أيضا مداليله العميقة، فالإنجليز على أية حال لم يكونوا يعملون لمصلحة الخديوية العثمانية في مصر والأستانة، بل جعلوها بمكرهم المخاتل تظن أنهم جاءوا فعلا لمساعدتها، من أجل ترتيب بيئتها الداخلية التي غيرتها الفوضى السياسية والإقتصادية العارمة في تلك الفترة، ومن أجل إخماد نيران الثورات والتمرد التي تشتعل بين الحين     والآخر، لكن الواقع كان مختلفا تماما، فهم يعملون لمصلحتهم فقط، وقد تنبهت أمتنا لذلك متأخرا بعد فوات الأوان.
وظل المجاهدون في كفاحهم، وجلادهم صباح ذلك اليوم وضحاه، و الأعداء لا يقدرون على اقتحام عرين الأسود، ومربض الليوث، وقد ساعدتهم شمس ذلك اليوم بوهجها القاتل، الذي سقط على عيون الأعداء كأنه الماء الحارق، فظلت صفوفهم تتراجع تارة بعد تارة، وطورا بعد طور، محاولة الإحتماء بالظلال اليحمومية، غير الباردة ولا الكريمة، وقد حرص الفرسان الميامين على تلافي مواجهة إخوتهم السودانيين إلا عند الضرورة الملحة، فاخترقوا صفوفهم بحثا عن الإنجليز الذين أحرقت الشمس جلدتهم البيضاء، وأصابت رمال الصحراء عيونهم الزرقاء بالقذى، وما إن يبدو جمعهم المنكود، حتى يجهزوا عليه مثخنين فيه قتلا وتنكيلا،  فيتراجعون أو قل يفرون حرصا على الحياة، فإن أحدهم يود لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه عن العذاب، فقتل المجاهدون _الخيالة والراجلين_ منهم مقتلة عظيمة، أظهرت كتاباتهم منها القليل، بينما أخفت الكثير، مواراة لعار الخذلان الذي أصابهم، فقد قتل في ذلك اليوم بحسب رواياتهم التي تحاول التقليل من شأن المجاهدين وانتصاراتهم، الرائد سيدني، والنقيب كلارنس، ومجموعة من المشاة الإنجليز، بالإضافة إلى عدد كبير من الخونة السودانيين، والمرتزقة المصريين، الذين غرر بهم بإرادتهم وبغير إرادتهم، وجرح كثير من البقية المنكودة، فتراجعوا القهقرى، وعند احتدام الوطيس، ورجوح كفة المجاهدين، أمر قائد الحملة أتباعه المشؤومين بفتح نيران المدفعية الثقيلة, بعد أن أعيتهم الحيلة مع صمود أهالي أبي حمد الشرفاء، الذين تحصنوا بالإيمان، وتخندقوا بالصبر، وتسلحوا بالثبات، ولله در الشاعر الكبير عمر البنا حينما قال:
الحرب  صبر  واللقاء  ثبات        والموت  في  شأن  الإله  حياة
فأمر القائد هنتر، والمقدم ماكدونالد، كتائبهما بمعالجة الموقف بالمدفعية الثقلية والدانات البارودية الفتاكة، لما رأوا من شراسة المقاومة الباسلة للأهالي الأبطال ومن معهم من المجاهدين، ففتحت مدافع المكسيم وبطاريات الكروب، نيرانها الهمجية بصورة عشوائية لا تميز بين الصغير والكبير، والمحارب والأعزل، فهدمت الكثير من البيوت فوق رؤوس روادها الآمنين، ومزقت أجساد الناس بلا رحمة إلى أشلاء متناثرة، غطت الأفق المملوء بالقتام، والمائج بلون الدماء القانية، التي تفوح منها رائحة المسك والغفران، فكون المشهد لوحة بليغة الجمال، مغزاها ومضمونها جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفي وصف أمثال هؤلاء الأفذاذ، جادت قريحتنا ببنت شفة سقيمة تجرر أسمالها البالية في استحياء علها توفيهم بعضا مما يستحقون:
جند   الحقيقة    كلهم   مستبسل           والله   بالفعل   الجميل   يجازي
خاضوا   غمار   الموت  دون  تردد           والخيل    توردهم    بلا   مهماز
غلب  إذا  حمي  الوطيس   كأنهم           موج   من   النكبات   فوق مرازي
لا  يحملون  الخوف  في  جنباتهم           حتى   كأن   الموت   منهم  هازي
لله     والأوطان    فوق    كفوفهم           قد    قدموا    الأرواح    بالإعزاز
هم   كالأسود   إذا  استفزت  مرة           والحر    ليس     يقر    باستفزاز
يا   ثورة   التغيير   لا    تتهيبي           من   كافر   أو   ملحد  أو  نازي
وتقدمي        بإرادة        جبارة            لا  شيء  يعدل   قدرها   ويوازي
قد   كنت  للأعداء   خير  منافح            وهزمتهم   في   صدر    كل  براز
ناجزتهم   بثبات   قلب    مؤمن             ودحرتهم   بالضرب   في  الأجواز
واجتزت  بالصبر   الممر  حواجزا            قهرت   بفضل   عزيمة   المجتاز
أحرزت   للأوطان  خير   مكاسب           والفضل   كل  الفضل  في الإحراز
بشراك   يا  وطن  الكفاح    بثورة           وعدت   فمات   الوعد   بالإنجاز
قد  وحدتك   فخاب   ظن  عدوها           والفضل  كل  الفضل  في  الإحراز
ومن أهم قواد الإنجليز في المعركة قائد يعرف باسم السير آركبالد أو آرشبولد هنتر، وفقا للترجمات المختلفة، وهو أشهر ضابط برتبة جنرال التي تعادل عقيد في الجيش المصري، حيث كلف بقيادة الحملة، وقد نال هذه السمعة لجرأته وإقدامه، فقد سبق أن خدم جيش الخديوي أثناء حملة النيل عام 1884ـ1885م، وتقلد كل المناصب متدرجا من رتبة نقيب حتى و صل إلى قائد عام، وقد نال هذه الرتبة الممتازة لأنه جرح أكثر من مرة، وهو على مقدمة الألوية التي يقودها، وعليه فقد اكتسب احترام رؤسائه وإعجاب زملائه في القتال أثناء حرب النهر في كل من مصر والسودان، ومن العجيب أنه رغم قسوته، أصبح معبود الجنود، لقد كان بالفعل أهم عناصر حملة السردار بروحه المرحة وقيادته الحكيمة، التي عرفته برجل المهمات القتالية الصعبة، والكلام منقول عن ترجمة لكتاب حرب النهر لمؤلفه ونستون تشرشل الذي كان مراسلا صحفيا في بداية حياته، زار السودان لتغطية أخبار الحملة الغازية فيه، وهو نفسه الذي أمر بفتح نيران المدفعية الثقيلة على الأبرياء العزل، وقد كانت هذه المدفعية تتكون من بطارية الميدان رقم 2 المكونة من الآتي:
1ـ 6 مدافع كروب.
2ـ 2 مدفع مكسيم.
3ـ 1 قاردنر.
4ـ 1 نوردين فيلد.     
وبالرغم من نية المجاهدين الصريحة، قبل وصول الحملة إلى أبي حمد، في مهاجمة خط السكة الحديدية، لعرقلة جهود الغزاة، إلا أنهم أحجموا نسبيا عن ذلك، فهم لم يتلقوا الأوامر بذلك من قيادتهم العليا في أم درمان، وإن كانوا لا يوافقونها في كثير من متطلباتها، التي زعزعت ثقة أهل السودان فيها بشدة، إلا أن الوقت ليس مناسبا البتة لتصفية الحسابات الثانوية معها، بل إن هناك حسابات أهم يجب أن تصفى مع العدو الخارجي، كما أن الروح المعنوية قد انهارت نسبيا لبعض الجنود، بعد هزيمة جيش عبد الرحمن النجومي، في معركة توشكي، ونظرا لبعد المسافة بين المركز في وسط البلاد، وبين أبي حمد في شمالها، فقد تأخرت القرارت الحاسمة التي تحتاج لإشراف الحكومة ومباركتها، وهو ما لم يكن، لكن المقاومة الباسلة لم ولن تنتكس رايتها، أو تنكسر شوكتها، أو تلين قناتها، ما دامت قلوب المجاهدين تنبض باليقين.
لحظة الإصطفاء:
استمرت منافحة المجاهدين البواسل في أبي حمد، فترة ليست بالقصيرة، مقارنة مع إمكانياتهم التسلحية الضعيفة في مواجهة الغزاة، وقد لعب التكتيك المبارك لبعض الأهالي المجاهدين، دورا كبيرا في تطويل فترة الصمود، ومدها إلى لحظة الأجل المحتوم، ففي حادثة طريفة، ونادرة غريبة، أن الحمير الداجنة قد استخدمت بذكاء في مقاومة الغزاة، وذلك بعد أن أشار بعض من ذوي الخبرة والرأي، بالتمويه على جيش الغزاة عن طريق الحمير، وذلك بربط مجموعة من الفوانيس الموقدة في أعناقها ليلا، وجعلها تسير باتجاه الغزاة، حتى يعتقدوا من على البعد، بأنها المجاهدون السواري جاؤوا لمهاجمتهم ليلا، وبالفعل فقد انطلت عليهم هذه الحيلة الذكية جدا، فبدأوا في إفراغ ذخيرتهم العزيزة فيها، فكان أن تكبدوا جراء ذلك خسائر فادحة، وعايشوا شعورا مقيتا بالإستهزاء عند معرفتهم بأمر هذه الحيلة، بينما ابتهج المجاهدون المؤمنون، وفرحوا بنصر الله، مساء ذلك اليوم المشهود، الذي رفع روحهم المعنوية إلى حد بعيد، وهذا إن نم عن شيء فإنه ينم عن استراتيجية المقاومة الذكية التي اتبعها المجاهدون في ذلك الزمان، إلا أن الكثرة غلبت الشجاعة، وليقضي الله أمرا كان مفعولا، ومن اللطائف ما ذكر من أن بعض هذه الحمير المستخدمة في هذه الحيلة الذكية جدا، قد نفرت من إطلاقات الغزاة النارية، وجفلت بعيدا عن العمران، وشردت، واستوطنت فيما يعرف بوادي الحمير على مسافة من أبي حمد كما ذكر لي.
فكان أن شن الغزاة هجوما مباغتا على حامية المجاهدين في أبي حمد، في فجر السابع من أغسطس عام 1890م، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة بعد أن ووجهوا بمقاومة عنيفة منقطعة النظير، أنبأت عن فروسية نادرة، كانت نتيجة حتمية لإيمان راسخ، وعقيدة ثابتة، فقتل ما يزيد على ثلاثمائة مجاهد، في ذلك اليوم الجليل، الذي أراده الله عز و جل ليكون يوم فداء وتضحية، وليكون يوم اتخاذ واصطفاء واختيار، لهذه الأرواح الطاهرة التي حلقت بشهادتها حتى دخلت حواصل الطير الخضر في الجنة، وقد كان الحاج السنوسابي واحدا من زمرة هؤلاء المصطفين والمختارين، والذي ثبت حاملا للراية، ومحافظا على اللواء، الذي أصبح التذكار الوحيد من أب المجاهدين السودانيين محمد أحمد المهدي، فقد تواتر عنه أنه لم يمكن منها الأعداء حتى من بعد ما أحكموا عليه الخناق، بل ألقاها في ماء النيل الفردوسي، ففاضت في ذلك اليوم روحه الطاهرة مع رفقائها من الأرواح الأخرى، واستوفت حقها كاملا مكملا في الجنة بإذن الله عز وجل، عارجة إلى بارئها في رضاء تام، وذاهبة إلى ضيافته في حبور عظيم، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ينتظر أرواح هؤلاء المجاهدين بشوق عظيم، فهل ظفروا بمبتغاهم، نعم بكل تأكيد، فقد كان الظفر حظهم، والفوز نصيبهم، فلتبق للأرض أجسادهم مثخنة بدماء الكرامة، ومطرزة بجراح العز والإباء، فكلها تبرأ بإذن الله عز وجل، عند فوزهم بمستقبلهم عند بارئهم، فلتتلاحق على طريقهم مواكب الشهداء، وتمشي قوافل المجاهدين، وليتتابع الزحف العنيد صادعا بالحق، هادما لعروش الطغاة، مزلزلا لصروح الظالمين، وملقيا في قلوب الذين كفروا الرعب، فإن رواد الجاهلية المعاصرين من غزاة إنجليز وغيرهم، لا يخشون إلا الإسلام على زعامتهم، ويدركون أن انتصاره يعني انكشاف أمرهم، وانفضاح مكرهم، وبالتالي زوالهم عن مسرح الخداع، وحلبة التضليل إلى الأبد.
وبعد كل هذا، فقد ظلت قصص هؤلاء المناضلين الأبطال، والمجاهدين الأفذاذ، تتناقلها الألسن بكل فخر واعتزاز من قبل أبناء أبي حمد وغيرهم، وصدق الله العظيم حينما قال في محكم تنزيله: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون o فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون o يستبشرون بنعمة من الله و فضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين o الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم o الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل o"، فهذه الآيات الكريمة يمكن أن تتأول في حقهم كأحسن ما يمكن أن تتأول، وفي حق كل مجاهد صابر نصر الله عز وجل، وانتصر للحق، فنصره الله تعالى وأيده  برضائه وحنانيته، فالقرآن الكريم معجزة الله الخالدة، وهو صالح لكل زمان ومكان، وذلك ببساطة، وبدون تعقيدات، لأنه دستور حياة، وقانون كوني، وناموس لا يقهر.
وقد تواتر إلينا أن جدنا الحاج السنوسابي، قد دفن في مناطق المناصير بعيدا عن أبي حمد، بعدما ألقي جثمانه الطاهر، كغيره من الجثامين الطاهرة الأخرى في النيل الخالد، لأن الأنجاس الإنجليز، قد ارتأوا أن أفضل وسيلة لإعلان نبأ انتصارهم المزعوم، لقائدهم المشؤوم السردار كتشنر، في معسكره في مروي، هو هذه الوسيلة الغير إنسانية، والغير لائقة البتة للتعامل مع حرمة الجسد الإنساني، ناهيك عن ما يمكن أن تسببه أعداد كبيرة من الجثث الملقاة في الماء من ضرر بيئي بين، فكان أن طفى ما وصل منها إلى مروي على سطح النهر، حتى علم كتشنر، أن خط السكة الحديدية قد تأمن، وأن حامية أخرى للمجاهدين الأبرار قد سقطت في الطريق إلى أم درمان لاحتلال السودان، لكن يد القدرة الإلهية قد شاءت أن تنجو بعض من جثث هؤلاء الشهداء الأطهار، لتخبر عن لؤم الغزاة الأشرار، وقساوتهم لمن لم يكن حاضرا للمشهد من بدايته، فقد ألقى النيل ببعضها في ضفتيه، وكان أن ألقي جسد الحاج السنوسابي، في منطقة من مناطق المناصير شمالي أبي حمد، حيث تم التعرف على جسده الشريف، المربوط بعمامة مفتولة مع أحد أبناء عمومته، عن طريق بزته الفاخرة، وسمته المتميز، وعن طريق خنجره الذي  طبع عليه اسمه، وهي واحدة من علامات الفروسية في ذلك الزمان، ولطالما تمنى أن يمعن بهذا الخنجر في أحشاء أعداء الدين، وأعداء الأمة والوطن، وأعداء الإنسانية ككل، ولله در الشاعر الفلسطيني الدكتور عبد الغني أحمد التميمي، الذي قال في مقطع جميل من قصيدة طويلة عنوانها: "رسالة مطولة من فلسطين إلى السودان"، ألقاها في قاعة الصداقة في مدينة الخرطوم، التي ارتجت أرجاؤها بتكبير الجمهور المنفعل والمتجاوب مع إلقائه المعبر لهذه القصيدة الرائعة وذلك في ظروف استثنائية كانت كوات الجنة مفتوحة فيها في الثغور السودانية:
أقولها صريحة:
يا أيها السودان...
كأنهم لم يقرأوا...
تاريخك الطويل...
كأنهم لم يسمعوا...
 نشيد نهر النيل...
يقول:
منبعي و رافدي...
وكل قطرة تصب في مواردي...
شواطئي...
مضايقي...
مصائدي...
وكل كائن ونبتة...
تعيش في الضفاف والسهول...
بل كل ذرة تقول:
ليحكموا الهجوم...
لن يظفروا بقطرة...
بشعرة...
بصخرة...
أو قشة تعوم...
مائي على أمثالهم سموم...
أنشودة ألفها النيل العظيم...
قصيدة على المدى تنشدها الخرطوم...
وبالتالي فقد حق لجدي الحاج السنوسابي بعد كل هذا، وهو وهو والفضل لله وحده، أن ينشد بألم، وأن يصرخ بتحسر:
ولو  أني   بليت   بهاشمي     خؤولته     بني    عبد المدان
لهان  علي  ما  ألقى  و لكن      هلموا   وانظروا  بمن  ابتلاني
فقد ابتلي بهنتر كلب الإنجليز النجس، وأتباعه القذرين، وقد تواتر إلينا أيضا أن الحاج السنوسابي، دافع باستماتة غريبة، عن صغار من أبناء المجاهدين، كانوا يصحبونهم في المعركة، حتى أمنهم، وأمرهم بالرجوع إلى العمران، ثم عاد لمواصلة القتال، وما ذلك إلا لكي يبقوا حاملين لأسماء آبائهم المجاهدين، وساعين للثأر لهم فيما بعد، وقد كان له ما أراد، وظهرت منهم ذرية طيبة مباركة ميمونة، ستثأر لهم بالحق أيما ثأر، وتحث الخطى في طريق الجهاد الذي سلكه آباؤها من قبل، والحمد لله، فنحن نحسب أنه قد غفر له مع أول قطرة نزلت من دمه الطاهر، لأنه مات مدافعا بقضه وقضيضه، عن كرامة الإنسان وعزة الأوطان، فطوبى له من بطل مجاهد، ومن شهيد فاضل.
وقد تواتر لي أن أكثر الموتى والشهداء في هذه المعركة الغير متكافئة كانوا من النساء والأطفال والشيوخ العزل، لأن القوات الغازية قد استخدمت الذخيرة الحية والقذائف المدفعية دون رحمة أو هوادة كما ذكرنا، مما جعل الكثيرين منهم يهربون ابتغاء النجاة والسلامة، فهم لا ذنب لهم ولا جريرة، ولم يكن أمامهم من طريق مفتوحة سوى طريق صحراء العتمور المهلكة فسلكوه مضطرين، لعل قسوة هذه الصحراء وحرارتها ووحشتها تكون أكثر حنانا عليهم من الغزاة المجرمين، الذين خلت قلوبهم من قيمة الرحمة، وخصيصة الرأفة، فقد ذكر أكثر من ذاكر أن جنود الجيش الغازي قد تبع هؤلاء الفارين من بطشهم رغم هربهم واستسلامهم وأمعنوا فيهم ذبحا وتقتيلا حتى امتلأت الطرق والشوارع والقفار بجثث الشهداء والموتى، ومن لم تكن أسلحة الغزاة سببا لموته المباشر وعلة له كانت قسوة الصحراء هي السبب والعلة، قال الشاعر:
من لم يمت بالسيف مات بغيره          تعددت الأسباب والموت واحدُ
وقد ذكر الرواة بعد فترة ليست بالقصيرة من انتهاء المعركة أنه قد تمت مشاهدة العديد من الهياكل العظمية البشرية لأعمار وأجناس مختلفة مع بقايا ملابس عليها آثار دماء وضرب في طريق العتمور المؤدي إلى منطقة سيدون، وهي هياكل قتلى المعركة وشهدائها دون شك وذلك لكثرتها ووجود هياكل بعض الدواب كالجمال والخيول معها.
  وقد تواتر أيضا أن أحد المجاهدين من الرباطاب ممن شارك في موقعة أبي حمد، تظاهر بالموت مع الميتين من الشهداء الأفاضل، بعدما أثخنته جراح الغدر والطغيان، ولعله كان فاقدا للوعي، عندما ألقيت جثته مع الجثث الملقاة في عرض النيل، فتمكن من السباحة للضفة الأخرى بعيدا عن الأعداء، ولما أن نجا أشار إليهم ملوحا بيده هازئا منهم، فسددوا عليه إطلاقة نارية أصابت راحة يده التي كان يلوح بها، فأصبحت هذه علامة مميزة له فيما بعد، والأمر الواضح والجلي أنه لم يكن من ضمن الفارين من الزحف المولين للأدبار، فالله سبحانه وتعالى قد خفف على عباده الصالحين عندما جعل الواحد من المؤمنين باثنين من الكافرين، ولكن قديما قالوا إن الكثرة غلبت الشجاعة، ولأبي الطيب المتنبي بيت شهير في هذا المعنى يقول فيه:
الرأي قبل شجاعة الشجعان        هو  أول  وهي  المقام  الثاني

وبمثل ذلك قد فصل علماء الشرع، وأهل الشريعة، كما أن هذا المجاهد أصبح شاهد عيان للفظائع التي ارتكبها الإنجليز القذرين، وأشياعهم الأوباش، في حق المجاهدين الصامدين، وليقضي الله عز وجل أمرا كان مفعولا، وهو وحده من له الأمر من قبل ومن بعد.