بديني أفتخر وبأمتي أعتد وبمنتماي أعجب

بديني أفتخر وبأمتي أعتد وبمنتماي أعجب
بديني أفتخر وبأمتي أعتد وبمنتماي أعجب

الأحد، 10 مارس 2019

قصيدة: كَندَاكَة* إلى السودان متمثلا في الكنداكة الأخيرة " ابتهال تريتر" - للشاعر المصري: سيد عبد الرازق

يا " تُوبَها التُّوتَالَ "* 
أيُّ حريرِ
يرقَى 
لكعبةِ طيفِها المَسحُورِ؟


" كوشِيَّةٌ " 
مُذْ فَاضَ نِيلُ سَمَارِها
وهْيَ البِلَادُ 
وحُكمُهَا الدُّستُورِي

عبرَتْ لِأَحمَرِها المُطرَّز 
فاقتَفَى
أثرَ الحريرِ على يديْهَا الجُورِي

إن ترتدِ " الهزَّازَ "* 
تُحدِثْ ثَورَةً
يحظَى النذيرُ بِها بقلبِ " بشيرِ"

فيها احتَفَى بحرٌ 
ببعضِ عذوبةٍ 
عذراءَ 
تطفِي لوعةَ المسجورِ

ليدينَ دينَ صفائِها 
-مُتَحَرِّرًا-
بَرِمًا بمِلَّةِ حجرِهِ المحجورِ

ويرى فتاةً مَا 
تمزِّقُ ليلَها
حوريَّةً تهفًو إلى التَّغييرِ

كَعَبَتْ 
فلما أن (تمرمرَ) عودُها
نفختْ بها الربَّاتُ روحَ ضميرِ

لمَّا تجسَّدَ ضوؤُها قالتْ لهُ:
- في البدءِ كنتُ 
فكيفَ تجهلُ نورِي؟

أنا كِلْمةُ الرَّبِّ
استحلتُ أنوثَةً
حملتْ صليبَ زمانِها المقهورِ

لمْ تنتظِرْ طِفلًا 
يحققُ ثأرَها
ما قدَّمتْ للصَّمتِ أيَّ نذورِ

أوحتْ لهَا الرَّبَاتُ 
" خلفكِ نِسوَةٌ
يأسِرْنَ كونًا إنْ - بِهِنَّ – تسيرِي "

فاجتاحتِ اللَّيلَ الأخيرَ 
وأعلنتْ:
- ما الصَّلْبُ إلَّا خشيةُ التعبيرِ

(كَنزِي) 
سيحملُهُ (خَصِّيٌّ) تابعٌ
أما بلادِي 
فالمَصِيرُ مصيرِي

إن (عمَّدوه) بمائِهم
فالنَّارُ معمُودِيَّتِي 
حتَّى أحرِّرَ دُورِي

(فِيلِبُّسِـ)ــي 
صوتُ الأمُومَةِ صارِخًا
لا ثديَ تعطِي حُلْمَهُ لِصَغِيرِ

(مَلَكُوتِـ)ـيَ السُّودَانُ
وحدِيَ لمْ أزَلْ (كَندَاكَةً) 
والتاجُ نبضُ سطورِي

لم يتبعونِي كـ(الخِرَافِ)
وإنَّمَا
(زَأَرُوا) 
لِيقوَى فِي الهُتَافِ زئِيرِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنداكة: لقب ملكات السودان قديما.
التوتال والهزاز: أنواع من اللباس السوداني الشهير

مددنا كف وحدتنا للأديبة نائلة فزع



لأبناءِ الجنوبِ حفيفُ قلبي

وذوبُ مشاعري ومزيدُ حبي


تذوبُ الأرضَ من فوقي وتحتي

مخافةَ أنْ أُرى وحدي بدربي.

فيا وطنَ النخيلِ ألستَ تدري

هوى الأبنوسِ في شرقٍ وغربِ

هنا ملوالُ قافيةٌ طروبٌ

لها ميقاتُ طنبورٍ محبِ

فلا تدعُوا وصايةَ أجنبيٍ

تُفرِقُنا فهذا جِدُ صعبٍ

قضينا العمرَ في شدٍ وجذبِ

كأنَّ العمرَ مخلوقٌ لحربِ

قصيدة الخرطوم للشاعر المصري علي الجارم



يا نَسْمَة ً رنّحتْ أعطافَ وادينا

قِفي نُحيِّيك أو عوجي فحيِّينا

مرَّتْ مع الصبح نَشْوَى فيتكسُّرها

كأنَّما سُقِيتْ من كفِّ ساقينا

أرختْ غدائرَها أخلاطَ نافِجةٍ

وأرسلتْ ذيلَها ورداً ونِسْرينا

كأنّها روضة ٌ في الأفقِ سابحةٌ

تمجُّ أنفاسُ مَسْراها الرياحينا

هبَّتْ بنا من جنوبِ النيلِ ضاحكة ً

فيها من الشوقِ والآمالِ مافينا

إنّا على العهدِ لابُعدٌ يحوِّلنا

عن الودادِ ولا الأيامُ تُنْسينا

أثرتِ يا نسمَة السودانِ لاعجةً

وهِجْتِ عُشَّ الهَوى لوكنتِ تدرينا

وسِرْت كالحلم في أجفان غانية

ونشوة الشوق في نجوى المحبينا

ويحي على خافقٍ في الصدرمحتبسٍ

يكاد يطفر شوْقاً حين تسرينا

مرّت به سنواتٌ مابها أَرَجٌ

من المُنَى فتمنّى لوتمرّينا

نبّهتِ في مصرَ قُمْريَّا بِمُعشبة ٍ

من الرياض كوجهِ البِكْر تلوينا

فراح في دَوْحِهِ والعودُ في يده

يردّد الصوتَ قُدْسيا فُيشْجينا

صوتٌ من اللّه تأليفاً وتهيئةً

ومن حفيفِ غصونِ الروْضِ تلحينا

يَطيرُ من فَننٍ ناءٍ إلى فَنَنٍ

ويبعَثُ الشدْوَ والنجوَى أفانينا

ياشاديَ الدَوْحِ هل وعدٌ يقربُنا

من الحبيبِ فإنَّ البعدَ يُقْصينا

تشابهت نَزَعاتٌ من طبائعنا

لما التقتْ خَطَراتٌ من أمانينا

فجَاء شعريَ أنّاتٍ مُنَغَّمةً

وجاء شعرُك غَمْرَ الدمع محزونا

شعرٌ صَدَحنا به طبعاً وموهِبَةً

وجاشَ بالصدرِ إلهاماً وتلقينا

والنَّفْسُ إنْ لم تكنْ بالشعرِ شاعرة ً

ظنَّتْه كلَّ كلامٍ جاء موزونا

تعزّ ياطيرُ فالأيامُ مقبلةٌ

ما أضيقَ العيشَ لو عزّالمُعَزّونا

خُذِ الحياة َ بإيمانٍ وفلسفةٍ

فربّ شرٍّ غدا بالخيرِ مقرونا

فَكمْ وزنّا فما أجدتْ موازنةٌ

في صَفْحة ِ الغيبِ ما يُعْي الموازينا

الكون كوَّنه الرحمنُ من قِدَمٍ

فهل تريدُ له ياطيرُ تكوينا

إن المْنَى لا تُواتى من يهيمُ بها

كالغيدِ ماهجَرتْ إلاّ الملحّينا

تبكِي وبينَ يديْكَ الزهرُ منعَجَبٍ

والأرضُ تبراً وروْضاتُ الهَوى غِينا

والماءُ يسبَحُ جْذلانَ الغديرِ إلى

منابتِ العُشْبِ يُحييها فُيحيينا

والزهرُ ينظرُ مفتوناً إلى قَبَسٍ

يُطِلُّ بين ثنايا السُحْبِ مفتونا

قد حزْتَ مُلْكَ سليمانٍ ودولَته

لكَ الرياحُ بما تختارُ يجرينا

ما أجملَ الكونَ لو صحّتْ بصائرُنا

وكيف نُبْصِرُ حُسْنَ الشيءِ باكينا

اللّه قد خلق الدنيا ليُسعدنا

ونحن نملؤُها حُزناً وتأبينا

إن جُزْتَ يوماً إلى السودانِ فارْع له

مودّة ً كصفاءِ الدرِّ مكنونا

عهدٌ له قد رَعَيْنَا هُبأ عيُنِنا

وعُرْوة ٌ قد عقدناه ابأيدينا

ظِلُّ العرُوبة ِ والقرآنِ يجَمعُنا

وسَلْسَلُ النيل يُرويهم ويُروينا

أشعّ في غَلَسِ الأيام حاضرُنا

وضاء في ظُلْمة ِ التاريخِ ماضينا

مجدٌ على الدهر فاسألْ مَن تشاءُ به

عَمْراً إذا شئتَ أو إنْ شئتَ آمونا

تركتُ مِصْرَ وفي قلبي وقاطرتي

مراجلٌ بلهيبِ النار يَغْلينا

سِرْنا معاً فُبخارُ النار يدفَعُها

إلى اللقاء ونارُ الشوقِ تُزجينا

تَشقُّ جامحة ً غُلْبَ الرياضِ بنا

كالبرقِ شقَّ السحاب الحُفَّلَ الجونا

وللخمائِل في ثوب الدجَى حَذَرٌ

كأنّها تتوقَّى عينَ رائينا

كأنهنَّ العَذارَى خِفْن عاذلةً

فما تعرّضْنَ إلاَّ حيثُ يمضينا

وللقُرَى بين أضْغاثِ الكَرَى شَبَحٌ

كالسرِّ بين حنايا الليلِ مدفونا

نستبعدُ القُرْبَ من شوقٍ ومنكَلَفٍ

ونستحث وإنْ كنَّا مُجدّينا

وكم سألْنا وفي الأفْواهِ اجابَتُنا

وفي السؤالِ عَزاءٌ للمشوقينا

وكم وكم ملَّ حادينا لجاجتنا

وما علينا إذا ماملّ حادينا

حتَّى إذا مابدتْ أَسْوانُ عن كَثَبٍ

غنّى بحمدِ السُّرى والليلِ سارينا

وماشجانيَّ إلاّ صوتُ باخرةٍ

تستعجلُ الركبَ إيذانا وتأذينا

لها ترانيمُ إنْ سارتْ مُهَمْهِمَة ً

كالشعرِ يُتْبعُ بالتحريكِ تسكينا

باحُسنَها جنَّة ً في الماء سابحة ً

تلقى النَّعيمَ بها والحورَ والعينا

مرَّتْ تهادَى فأمواجٌ تُعانقها

حيناً وتلثِمُ من أذيالها حينا

والنَّخلُ قد غَيَّبتْ في اليمِّ أكثرَها

وأظهرتْ سَعَفاً أحْوَى وعُرْجونا

ما لابنة ِ القَفْرِ والأمواه تسكُنُها

وهل يجاورُ ضَبُّ الحرَّة النونا

سِرْ أَيُّها النيلُ في أمْنٍ وفي دَعَة ٍ

وزادك اللّه إعزازاً وتمكينا

أنْتَ الكتابُ كتابُ الدهر أسطرُهُ

وَعَتْ حوادثَ هذا الكون تدوينا

فكم مُلوكٍ على الشَطيْنِ قد نزلوا

كانوا فراعينَ أو كانوا سلاطينا

فُنونُهم كنّ للأيام مُعْجِزةً

وحُكمهم كان للدنيا قوانينا

مرّوا كأشرطة ِ السّيما وماتركوا

إلا حُطاماً من الذكرى يُؤَسِّينا

إنا قرأنا الليالي من عواقِبها

فصار مايُضحكُ الأغْرارَ يُبكينا

ثم انتقلنا إلى الصحراءِ تُوسِعُنا

بُعْداً ونُوسُعها صبراً وتهوينا

كأنّها أملُ المأفون أطلقهُ

فراح يخترق الأجواءَ مأفونا

والرملُ يزخرُ في هَوْلٍ وفي سَعَة ٍ

كالبحرِ يزخَرُ بالأمواجِ مشحونا

تُطلُّ من حَوْلها الكُثْبانُ ناعسة ً

يمدُدْنَ طَرْفاً كليلاً ثم يُغْفينا

وكم سَرابٍ بعيدٍ راح يخدَعُنا

فقلت حتى هُنا نلقى المُرائينا

أرضٌ من النوم والأحلام قد خُلِقتْ

فهل لها نبأُ عند ابن سيرينا

كأنما بسط الرحمنُ رُقْعتَها

من قبل أن يخلُقَ الأمواهَ والطينا

تسلَّبَتْ من حُلِيِّ النَبْتِ آنفة ً

وزُيِّنت بجلالِ اللّه تزيينا

صمْتٌ وسحرٌ وإرهابٌ وبعدُ مدىً

ماذا تكونين قولي ماتكونينا

صحراءُ فيكِ خَبيئاً سرُّعِزَّتِنا

فأفصحي عن مكانِ السِّر واهدينا

إنّا بنو العُربِ يا صحراءُ كم نَحتت

من صخركِ الصلْدِ أخلاقاً أوالينا

عزّوا وعزتّ بهم أخلاقُ أمّتِهم

في الأرضِ لمّا أعزّوا الْخُلقَ والدّينا

مِنَصّة ُ الحكْم زانوها ملائكة

وجَذْوَة الحرب شبّوها شياطينا

كانوا رُعاة َ جِمالٍ قبلَ نهضتِهم

وبعدها مَلأوا الآفاق تمدينا

إن كَبّرتْ بأقاصي الصين مِئْذَنة ٌ

سمعتَ في الغرب تهليلَ المصلّينَا

قف يا قِطارُ فقد أوهى تصبُّرَنا

طولُ السفارِ وقد أكْدَتْ قوافينا

وقد بدتْ صفحة ُ الْخُرْطوم مُشْرقة ً

كما تجلَّى جلالُ النورِ في سينا

جئنا إليها وفي أكبادنا ظمأٌ

يكاد يقتُلُنا لولا تلاقينا

جئنا إليها فمن دارٍ إلى وطنٍ

ومن منازِل أهلينا لأهلينا

ياساقيَ الحيِّ جدّدْ نَشْوَة ًسلفتْ

وأنت بالجَبَنَاتِ الحُمُرِ تسقينا

واصدَحْ بنونية ٍ لما هتفتُ بها

تسرّق السمع شوقي وابنُ زيدونا

وأحْكِم اللحنَ ياساقي وغ نِّلنا


إنَّا محّيوكِ يا سلمى فحيينا

عروج إلى حضرة المشتهى - للشاعر المغربي الجميل محمد أبيجو

بِقَلبِكَ آيَةٌ أُخْرَى سَتُلقَى 
فَمُدّ يدَ الدّواةِ لَها لِتَرْقَى


كَكُلّ المُصْطَفَينَ،
كَكُلّ وَحيٍ،
سَتنزِلُ لن يُحسَّ البابُ طَرْقَا


سَينشَقّ القَصيدُ لَها فتَسْرِي
وتَخطُب في حَصى الشّطرَينِ دَفقَا


إِلى... أَن يَهتَدي في القَلْبِ لَحْنٌ
وَيُصبح للكَمانِ أشَدّ شَوقَا


فَقُل لِرؤاكَ أَن تزْدَادَ ضَوءًا
وَقل للقلب أن يَزدادَ خَفْقَا


لأَنّك تَوأَمُ الحَلاّجِ لاهٍ
بِمَا في القلبِ عمّا سَوفَ تَلقَى


جِراحُك كُلُّها يَومًا سَتُشفى
إذا ازدَادَت جِراحُك فِيكَ عُمقَا


فَخلِّ سَبيلَ دَمعِكَ إِنّ نَهرًا 
جَرت عَينَانِ فِيه يَصيرُ أَنْقَى


ومُدّ بساطَ رَمْلِكَ إنّ بحرا 
سيلفِظُ من جفونِ هواكَ غرقَى


وهُزَّ نياطَ بوحِكَ عَلَّ لحنًا 
سيهُطُلُ مُحدِثا في العودِ فَرقَا


سيُصبِحُ فيك هذا الشّرقُ غَرْبا
وَيُصبِحُ فيكَ هَذا الغَربُ شَرقَا


ستدعُوكَ العُيونُ إِذا تَداعَت
إلَيكَ بِغَيمِها الهَتّانِ بَرقَا


وسوفَ يَفيضُ من كفّيكَ ماءٌ 
ليُصْبِحَ رَتْقُ هَذا الصَّمْتُ فَتقَا


بقلبِكَ آيةٌ أخْرَى...، فمهّد
لهاَ حرفًا يليقُ، وريشَ وَرْقَا


وشُدَّ عليكَ فيكَ، لأنّ وحيًا 
ثقيلاً يقتضي صَبْرا وَطَوْقَا


وَحَيّ على الحَمَامِ يطيرُ حتّى 
يخُطَّ لجورِ هذا الـ "تَحْتِ" "فوقَا"


تَصوَّفْ فالقَصيدَةُ ـ يا ابنَ نزفِي ـ
غَدَت مِن حزمهَا المَلعُونِ خَرْقَا


تَصوّفْ يا بُنّيّ فَرُبَّ قلبٍ
تصوّفْ ثمّ سالَ هوىً وَذوقَا

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

"الحسن" موهبة الخط العربي السودانية الواعدة - مجدي الحاج

إن الخط العربي كان ولا يزال واحدا من أهم الإنجازات التي يفخر بها العرب والمسلمون الكاتبون بالحرف العربي في مجال الفنون الجميلة على مر العصور، وهذا الأمر قد تم تقديمه للبشرية بكل فخر واعتزاز منذ قرون عديدة.

وبرغم أهمية الخط العربي كثروة قومية للأمة العربية والإسلامية في مجال الفنون وفي جانب صناعة الجمال فإنه وفق تقديري الخاص لم  يأخذ نصيبه الكافي من الدراسة والأبحاث بالشكل المرضي والمقنع الذي يلبي طموح وشغف محبي هذا الفن على مستوى العالم.

إلا أن برنامج "كتاتيب" المبتكر من قبل إدارة الشؤون الثقافية بدائرة الثقافة في حكومة الشارقة استطاع أن يقطع شوطا كبيرا في هذا الجانب، وهو بلا شك أمر يستحق الإشادة والثناء والمديح، لما أحدثه من ثورة مضطردة ومتسارعة الخطى في نشر ثقافة الخط العربي كفن راق له أبعاده الجمالية المتقدمة بين عامة الجماهير في إمارة الشارقة المعطاءة.

ويهدف هذا البرنامج إلى تحقيق مجموعة من الأهداف السامية ضمن مناهجه العلمية المقررة والتي تشملها دورات خمس على مدار العام بمعدل شهرين لكل دورة منذ بدايته الفعلية في منطلق عام 2015م بعد أن أعلن عنه بالتزامن مع تتويج الشارقة عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2014م، وهو مستمر إلى هذه اللحظة، حيث تشرف عليه نخبة مختارة من الأساتذة الأكفاء والمتميزين بمعية أفضل الوسائل المتاحة تقليديها وحديثها، تلك الوسائل المسخرة والموظفة بصورة راقية في خدمة رسالة البرنامج السامية، إلا أن أهمها وأعظمها والذي يجسد قلبها النابض هو ربط الجماهير بشكل عام والناشئة على وجه التحديد في إمارة الشارقة بالدور الرسالي للمسجد في حضارتنا الإسلامية والإفادة من هذا الدور في تحسين الخط بشكل يعزز  المعرفة الأخلاقية والثقافية، كما يساهم في تعميق الوعي لدى المجتمع بفن الخط العربي الأصيل، وجعل ممارسته تتم بصورة تلقائية ويومية كنتيجة حتمية للإهتمام به والإرتباط ببعده الجمالي وعمقه الرسالي.  

"الحسن عبد الرؤوف إبراهيم" فتى سوداني ناشئ استفاد مع مجموعة أخرى من ناشئة مدينة "الذيد" من هذا البرنامج بصورة فعلية، تحت إشراف الأستاذ الخلوق والمبدع مصطفى شحاتة النشوي المشرف على منصة كتاتيب بمسجد عمار بن ياسر بقلب مدينة "الذيد" في إمارة الشارقة.

تحصل "الحسن" الفتى السوداني ذو الإبتسامة الأنيقة والشفافة والمريحة للنفس كديدن أهلنا في السودان على المركز الأول في مسابقة تحدي الخط التابعة لبرنامج "كتاتيب" في دروته الثالثة هذا العام 2018م عن فئة الناشئة وذلك في فن الكتابة بالخط الديواني، وقد أجريت هذه المسابقة في
بيوت الخطاطين في قلب الشارقة ضمن تحد مضطرم الأوار ومشتعل المنافسة.

"الحسن" أكد لنا بممارسته المتقنة للخط الديواني وفق تطوره المتمرحل عمريا أن كتابة الخط العربي تمثل حرفة راقية وجمال متفرد واتقان مبدع، وإتقان الخط هو بكل تأكيد ملكة وموهبة تختلف من خطاط لآخر.

تفوق "الحسن" في الكتابة بالخط الديواني الذي يتسم بمزايا عديدة فهو من الخطوط الجميلة ويتميز بحروفه المتصلة والمنمقة ويتسم بانسيابيتها، وقد استخدم أول ما استخدم في البلاط العثماني، وقد نظر إليه العثمانيون بوصفه كنزا، وكانت تكتب به المراسلات والمخاطبات والفرمانات الحكومية، وكان خطا رسميا تكتب به رسائل الحكام والملوك، وكان الخطاطون الذين يكتبونه في كنف السلطنة يحظون بالرعاية، ويحصلون على مزايا ومكافآت كبيرة.

ومما كتب في شأن هذا الخط أنه يستمد جماليته من حروفه المستديرة والمتداخلة، لذا يصعب أحيانا التمييز بين الألف واللام فيه إن كانا في بداية الكلمة، وقد يلجأ الخطاط إلى ربط الحروف المنفصلة، مثل الراء والواو والألف والدال بالحروف التي تأتي بعدها، هذا
 وقد تفرع الخط الديواني إلى نوعين من الخط وهما الديواني العادي، وهو خال من الزخرفة، والديواني الجلي ذلك الذي تكثر فيه العلامات الزخرفية لملء الفراغات بين الحروف، ويستعمل في الزخارف.

والخط الديواني من الأنواع المستخدمة بكثرة في حياتنا المعاصرة، لتميزه باللين والطواعية، وإمكانية بسط مدّاته على مساحة اللوحة ليشكل صورة رائعة من الجمال.

عربيا، انتشر هذا الخط في أكثر من دولة وعلى الأخص سوريا ومصر والعراق، وتاريخيا عرف الخط الديواني باسم الخط الريحاني، لتناسق ألفاته ولاماته وتداخلها مع بعضها على شكل يشبه أعواد الريحان، كما أطلق عليه حديثا بالخط الغزلاني نسبة إلى الخطاط الشهير مصطفى بك غزلان، الذي عرف باتقانه على نحو بهر الخطاطين، كما شاع في الديوان الملكي المصري أيام الملك فؤاد على يد محمود شكري باشا رئيس الديوان الذي كان يحبذ كتابته ويجيده.

وعلى روعة وجماليات هذا الخط فإن الكثير من الخطاطين والنقاد الفنيين يعدونه واحدا من الخطوط السهلة.

وفي الإمارات يبرز اسم الخطاط الشهير محمد مندي الذي يوصف بأنه خبير في كتابة الخطوط، وفي العام 2010م وخلال معرض أبوظبي الدولي للكتاب، قام محمد مندي بتطوير خط ديواني خاص به، وأتاح استخدامه لعشاق اللغة العربية، كما وفره ضمن الشبكة العنكبوتية لمن أراد أن يستزيد علما ومعرفة بهذا الخط، ومحمد المندي خبير في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وهو معروف بتجديده في كتابة الخط بوجه عام مبرزا جمالياته على نحو فني، وقد نبتت فكرة اهتمامه بتجديد الديواني مما شاهده وراعه من تلك الخطوط التي دخلت الكمبيوتر من قبل شركات لا تراعي جمال الحرف لا شكلا ولا مضمونا.

ومن منطلق مسؤوليتي الأدبية كعاشق لفن الخط العربي وكأحد المنتسبين لبرنامج "كتاتيب" الرائد في دورته الحالية، وكسوداني أهيم عشقا بوطني وأهله الرائعين، فقد كان لزاما علي تهنئة ناشئنا السوداني الموهوب والمتميز "الحسن" بصورة خاصة ولائقة، فهو خامة فنية واعدة ومبشرة بمستقبل مزدهر في فن الخط العربي في السودان بل وفي العالم أجمع.

"الحسن" وكما أدهشني بملكته في تملك اليراعة ورسم الحروف في ورشة العرض الحي للخطاطين أدهشني أكثر باعتداده بالزي الوطني السوداني المتمثل في "الجلابيه" و"العمه"، حيث ظهر بمظهر مميز لنا نحن السودانيون حيثما حللنا أو ارتحلنا، وكم كنت أتمنى حقيقة أن أحظى بشرف ارتداء هذا الزي الأصيل والمتميز في مناسبات مهمة كمعرض إبداعات "كتاتيب" لهذا العام، إلا أن ظروف العمل وقدومي للمشاركة في المعرض بعد انتهاء دوامي الرسمي مباشرة هو ما حال دون حصول ذلك، لكن مبدعنا "الحسن" قد أثار بما كان منه حفيظة الغبطة لدي بصورة متعاظمة.

"الحسن" أدهشني أيضا بسجاياه الوديعة وعريكته اللينة وبديهته الحاضرة على قصر المدة التي حادثته فيها، وكذلك فقد أدهشني أيضا بملامحه البشوشة، وهي نفس الملامح التي ظهرت في وجه شقيقيه الأنيقين الذين كانا داعمين أساسين له في المعرض مع بقية أفراد أسرته، إذ شكل حضورهم الأنيق في معيته دليلا واضحا وجليا على معنى التماسك الأسري المتفرد عند السودانيين وشهرتهم به منذ القديم وبين مختلف الشعوب، فطوبى له بهم وطوبى لهم به.

وقبل أن أختتم مقالتي هذه عن "الحسن" أكرر تهنئتي له كخطاط واعد بإذن الله تعالى، وأحب أن أذكر أن الغرض الأساسي من كتابتها هو الشد على أزر "الحسن" بشكل خاص وتشجيعه بصورة محفزة وخاصة حتى يتمكن من مواصلة السير في هذا الطريق على صعوبته بحول من الله تعالى وقوة منه فيقدم لنا أفضل ما عنده من طاقة فنية مدخرة وموهبة وملكة مكنونتين في فن الخط.

ومن خلالها فإنه لا بد لي من تكرار وصيتي له حتى يتمكن من مواصلة الإهتمام بحرص وتركيز زائدين ويستمر في الإجتهاد بدأب وعزم عاليين من أجل كشف ما تبقى من ستر وأغطية تحجب أسرار الخط العربي عن متناول يديه المبدعتين وتحول بينهما وبين تمكنه من أمرها.

"الحسن" يحتاج للكثير حتى يتمكن من تملك أدواته الفنية بشكل كامل فموهبته لا تخطؤها العين ولا ينكرها الناقد البصير على حداثة سنه، فقط أكرر النصح  لأسرته بضرورة دعمه المتواصل وتهيئة المناخ المناسب له دائما وأبدا من أجل تنمية ملكته الفنية وموهبته النادرة في فن الخط العربي، وهي مسؤولية جد جسيمة، وأمانة جد عظيمة، لكنهم على قدرها بإذن الله تعالى ولا نزكي على الله أحدا.

 كما لا أنسى بأن أتوجه بالشكر الجزيل للخطاط والفنان التشكيلي السوداني العالمي تاج السر الحسن، والذي كان حاضرا من خلف الكواليس ضمن لجنة تحكيم مسابقة تحدي الخط في دورة "كتاتيب" الحالية، وهكذا يظل السودانيون منارة شامخة في أفق الفنون وفنارا متوهجا في سماء الإبداع اللا متناه، فهم مصنع متكامل من مصانع الجمال محليا وإقليميا وعالميا، وإن كان هذا الوصف قليلا في حقهم.

قال ياقوت المستعصمي:  "الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية تقوى بالإدمان وتضعف بالترك، وهو مخفي قي تعليم الأستاذ وقوامه كثرة المشق، وتركيب المركبات، وترك المنهيات، وصفاؤه الباطن وحسنه بحسن النية ".

والله الموفق وهو من وراء القصد.

الثلاثاء، 23 أكتوبر 2018

"رسالة إلى بلقيس" - للشاعر السوداني: الفاتح حمدتو

بـلـقـيـسُ إنـي
قــد أتـيـتُ 
مـع الـزمـنْ
لأعـُانـقَ الـتـاريـخَ 
فـي شـط ِّ الـيـمـنْ
أنـا عـاشـقٌ
قـد جـئـتُ 
أستبقُ الـخـُطـى
لا أسـتـريــحُ 
ولا اُبـالي 
بالــوهــنْ
وطـنُ الـعـروبـةِ 
فـي دمـي 
وخـواطـري
وأنـا 
وحـيـثُ الـعُـرْبُ 
يـمـتـدُّ الـوطـنْ
فـشـددْتُ رَحْـلي 
والـنـُجـومُ مـقـاصـدي
والـوجـدُ يكـمُـنُ 
بـيـن روحـي 
والـبـدنْ
وقـَـدِمْـتُ 
يـا صـنـعــاءُ 
أَنـشُــدُ راحــة ً
وأُبــلِّــلُ الأشــواقَ 
عــنـدَكِ 
يـا عــدنْ
الـقـلـبُ يـأمـلُ 
فـي الـوصـال ِ
أحـبـَّتـي
والـشِعـرُ يـنـضَـحُ 
بـالأمـاني 
والـشـجـنْ
قـد ذُبـْتُ 
يـا بـلـقـيـسُ
عِـشْـقـاً عـلَّـنـي
أجـدُ الـسـكـيـنـة َ
عـنـد مـأرِبَ 
والـسـكـنْ
فـلـَكَـمْ تَـعِـبْـتُ 
مـن الـتـنـقـُّـل ِ
فـي الهـوى
وأضَـعْـتُ قـلـبي 
في الغـرام ِ
بلا ثـمـنْ
لـكـن بـوصْـلِـكِ 
لـن تـَتِـمَّ سـعـادتـي
فـالـْهَـمُّ يـا بـلـقـيـسُ
أكـبـرُ 
والـحَـزَن
مـَلـَكَ الـفـؤادَ 
وهـاجَ كـلَّ مشـاعري
والـسـيـفُ غـابَ 
فـأيـن سـيـفـُكَ 
ذي يَـزَنْ
والغـاصـبُ الهَـمـجـيُّ 
يَـسـلـُبُ أرضَـنـا
مـا بـالـُـنـا 
أيـن الـقـويُّ 
الـمـؤتـمَـنْ
مَـنْ لـلـطـُفـولـةِ 
تـُسـتـبـاحُ دماؤهـا
أيـن الـشـهـامة ُ
سـادتـي 
عـنـد الـمِـحَـنْ
لـُبـنـانُ يـكـتـُبُ
لـلـخـُـلـود ِ شَهـادة ً
لـلـهِ دَرُّكَ
فـي صـُمـودِكَ
يـا حَـسـَنْ
وعـلـى امـتـدادِ الأرض ِ
صـمـتٌ مـُطـبــِقٌ
والـعُـرْبُ تـغـرقُ 
فـي الـتـشـرذم ِ
والـفِـتـَنْ
والـعـصـرُ 
يـا بـلـقـيـسُ
يـشـهـدُ أنـَّنـا
زُمـَراً نـُسـاقُ
إلـى الـمـزالِـق ِ
والإحـَـنْ ..
رَهـْـنُ الإشـارةِ
والـعـدوُ يـسـومُـنـا
عـارٌ عـلـيـنـا
أن نـُسـامَ 
ونـُرتـَهـَـنْ
حـتى الـكـتـابة ُ
فـي الـنـضـال ِ
نـهـابُـهـا
ونـُسـخـِّرُ الأشـعـارَ
لـلـوجـهِ الـحَـسَـنْ 
ونـرومُ نـصـراً 
أيُّ نـصـر ٍ يـُبـْتـَغـي ؟
نـصـرُ الأحــاجــي
فـي حـكـايـاتِ الـزمـنْ
الـنـصـرُ عـنـدي 
أن نـُعِـدَّ لهـم 
قِـوىً
ورباط َ خـيـل ٍ
- لـيـس سِـراً - 
فـي الـعَــلـَـنْ