بديني أفتخر وبأمتي أعتد وبمنتماي أعجب

بديني أفتخر وبأمتي أعتد وبمنتماي أعجب
بديني أفتخر وبأمتي أعتد وبمنتماي أعجب

الاثنين، 30 يوليو 2018

"لين" أحرقت سين السرطان وراءه وطاءه - مجدي الحاج


قبل عام من الآن وقبيل إجازة عيد الأضحى المبارك، تم تشخيص إصابة طفلتي "لين" بمرض سرطان الدم "الليوكيميا"، كان يوما ثقيلا جدا ومؤلم الوقع على نفسي، اختبرت فيه مشاعرا لم أختبرها من قبل، كانت هذه المشاعر مزيجا معقدا من الألم والخوف والقلق والحزن والتوجس المريب، كانت مشاعرا فظة الحضور وسوداوية الإيحاء، وبالكاد كان يمكنني التغلب عليها حتى أحافظ على رباطة جأشي بالقدر المطلوب للمواجهة، كانت سيارتي متعطلة في ذلك اليوم مما اضطرني إلى استقلال الباص نحو "أبو ظبي" حيث تم تشخيص "لين" بادئ ذي بدء في المستشفى الأهلي بمنطقة مصفح على يد طبيبة سودانية متخصصة في أمراض الجهاز العصبي لدى الأطفال، تمت مقابلة هذه الطبيبة المتميزة بمساعدة خالة "لين" الدكتورة "سناء" وبتوجيه منها حيث أنها تعمل في نفس المستشفى، ومن بعد ذلك فقد كانت الإختصاصية السودانية حريصة كل الحرص على تحويلها لقسم عناية الأطفال المركزة في مدينة الشيخ خليفة الطبية التي تعتبر مرجعا لهكذا أمراض داخل دولة الإمارات العربية المتحدة بل وخارجها إقليميا وعالميا.
كانت خطورة الأمر تتمثل في تطوير "لين" لمضاعفات قاتلة جراء انتشار الخلايا السرطانية المقيت في جسدها الصغير، حيث تكون ارتشاح كبير للسوائل الرئوية أظهرته صورة الأشعة السينية لصدرها المكلوم، والذي أثر على قدرتها التنفسية فعليا، مما اضطر الفريق المعالج حينها للبدء في عملية تنفس اصطناعي لها، كما أنها أصيبت بشلل في العصب القحفي السابع وهو الوجهي بصورة مزعجة جراء تورم وجهها بفعل الخلايا السرطانية.
كنت حينها في حالة يرثى لها تماما كما يقال عندنا في المثل السوداني العامي: "حاله تحنن العدو قبل الصديق"، الدموع لم تكف عن الجريان والإنهمار من مقلتي حتى لا أكاد أبين الطريق أمامي، وإرهاصات القلق لم تتوقف عن إزعاجي بشتى أنواع الرؤى والإحتمالات البغيضة، كان عقلي يمعن جيئة وذهابا في معية أفكار مظلمة وتوقعات موحشة، وكنت لا أكف عن الإتصال بأم "لين" في فترات زمنية متقاربة للإطمئنان على آخر المستجدات، ولكي أنال قدرا من الهدوء بسبب ذلك، فهي أكثر من يشاركني وقع هذه المصيبة.
كانت أم "لين" سيدة قوية ولها قدرة عالية على ضبط مشاعرها وأعصابها عند الملمات والمواقف الحرجة كما عهدتها وخبرتها منذ أمد، ولطالما استفدت منها كثيرا في هذا الجانب، إلا أن التأثر والشجى كانا شديدي الوضوح في نبرة صوتها هذه المرة، لكن كبرياءها اليقيني لم يكن ليسمح لها أبدا بإظهار الضعف أو الإستسلام خصوصا أمامي، وهذا في الغالب لأنها تعرف أنني أستمد القوة منها بقدر كبير، لذلك فقد كانت حريصة على إظهار تماسكها وتصبرها أمامي وأنا أحادثها في الهاتف، كان الطريق طويلا جدا ومتعبا من الناحية الجسدية، أضف إلى ذلك فإن لواعج الأحزان لا تنفك اشتعالا بين جوانجي بصورة متواصلة، وهي تشكل بذلك عبئا نفسيا قاهرا على أعصابي المتوترة جراء الصدمة العظيمة التي ابتلينا بها جميعا ولله الحمد.
وقد كنت كطبيب أعرف تماما مآل مرض طفلتي "لين" وتناذره المبشر في مثل حالتها، إلا أنه قد تعاورتني تخيلات صادرة من نبع الفواجع والنوائب المهلك، وقد كان الشيطان يمد أنبوب الوساوس مرة تلو الأخرى ويصله بقلبي ومشاعري وعقلي لعلني أصاب بالحزن القاتل والغير محتمل فيتزعزع يقيني بالمولى عز وجل وبحكمته في الإختبار والإبتلاءات ولكن هيهات.
مر عام كامل تقريبا و"لين" ما تزال تقاوم وتناضل في معركتها الشرسة ضد سرطان الدم أو "الليوكيميا"، خلال هذا العام أحرقت "لين" سين السرطان وراءه وطاءه، ولم يتبق لها سوى القليل بإذن الله تعالى حتى تحرق ألفه ونونه وتذروا رماد حروفه البغيض في هواء النسيان وإلى الأبد.
#لين_تقاوم_الليوكيميا

معروف بلا تعريف - مجدي الحاج

لفظ الجلالة "الله" ليس سوى معنى جامع لكل ما لا يستطيع العقل المتيقظ إدراكه، أو تقدر الحواس النابهة على الإحاطة به..
وهو لفظ لا يمثل سوى إقرار واع من قبل الجميع الواعي بحدود الإدراك البشري الموهوب بأن هناك شيئا في منتهى الغيب هو أكثر غموضا من الغيب في حد ذاته، وأنه لولا غموضه هذا لما كان للغيب معنى أو قيمة أو حيز في هذا الوجود..

ومن غرائب هذا الغيب أنه غيب لا يمكنه الإحاطة بكنهه أو الوصول إلى ماهية ذاته...

فإن "الله" تعالى بمعناه المبهم خارج عن أطر الغيب ناء عن زوايا الزمان ومبتعد عن حدود المكان، ولا وجود له في الأبعاد، أو استقرار له في الأحياز، وإنما عرفنا بنفسه لأنه رفيق شفيق بمن أوجد، ومحب متلطف بمن خلق، وقد شرفنا بمعرفة مقتضبة لباذخ شرفه، وأعزنا بالتطلع المتواضع إلى عنفوان عزه، وأعطانا ما يمكننا من خلاله أن نقبس المتاح والممكن من حقائق أنواره، لأنه عليم قدير بمقتضى الحب في ذواتنا المحبة لكماله وبسره الذي خلق واستودعه في قلوب المحبين وفي أرواح المريدين..

ومنذ ابتداع الوجود الأول، فإنه قد جعل الحياة الدنيا في تمرحل وتسلسل وتنقل وتحول وتبدل، حتى إن الموت في حقيقته المزعجة للكثيرين، لا يبتر الحياة بمعناها الكامل والشامل أو ينهيها، ولكنه ينقلها من فرعها المؤقت والفاني إلى أصلها الدائم والخالد..

وفي كل لفظة من الألفاظ تتحلى بالعمق وتتزيا بالشموخ وتتدثر بالتعالي، يكون للمولى عز وجل وجود فيها واستقرار، وهو على جبروته اللا متناه وقدرته اللا محدودة يتموضع في كل جارحة ناطقة بفضله، معترفة بكرمه، طالبة لرضائه وجانحة لمحبته..

و"هو" خلقنا وصممنا بصورة لا يمكن انتقادها من أي مخلوق كائنا من كان، لأنها صورة من خلقه، وصفة تجسد كمال قدرته على الخلق وهي صفة لا نقصان يعتريها، أو قصور ينتابها.

ولكوننا مجرد فكرة مكتملة من تصميمه المبدع النابع من أصل الحقيقة المبدعة فوق كل إبداع، فنحن غير قابلين إلا أن نكون كاملين في طلب معرفته والسعي إلى التعرف على كينونته، ومن هذا المنطلق فنحن غير قابلين للإنتقاد لأننا خلق يديه جل وعلا، و"هو" كنه غير قابل للإنتقاد بتاتا وذلك لأنه لا يعرف أو يدرك أو يحاط بأمره جملة وتفصيلا، وأيضا لأنه يستحق البحث عنه والنظر إليه بعين المحبة الكاملة ويستأهل ذلك وزيادة، فقد فضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا..

إن "الله" عز وجل موجود فعليا في كافة تفاصيلنا، مستقر معنا حيثما حط بنا المستقر وهو المستقر وإليه المصير، إنه الوجود الحقيقي في عوالم المطلق ومداءات اللا متناه الممتد بغير حد، إنه "الله" حيث لا يوجد له ابتداء أو يعرف له انتهاء، إنه "الله" حيث ينبع من ذاته جوهر الحقيقة، ويجري نهرها الطاهر والعذب في أرواح العارفين بأمره ويروي ظماء حواسهم ويبل غليلها المشرئب دوما لمعرفته، فهم بقدر ما عرفوه جهلوه، وبقدر ما جهلوه رغبوا في معرفته، وهم بين هذا الجهل وبين تلك المعرفة في شؤون وأحوال، وهم نور من أصل الظلام، وظلام من فرع النور، ويبقى "هو" النور اللذي لا ظلام يستطيع أن يتحداه أو يقهره، فهو قاهر كل ظلام وإن خلقه لأمر وحكمة دقت أو جلت..

إن "الله" عز وجل هو الرحمن الرحيم اللطيف، الذي بيده الأمر والتدبير والتصريف، وهو المعروف بلا تعريف ولا يدرك له في معارف الخلق تعريف، أو يحاط بسره المكنون إظهار وتوصيف..

#ترانيم_الحب

الاثنين، 16 يوليو 2018

هل يمرض الفرح؟! - مجدي الحاج

يا أيها الآسي:
ترى هل يمرض الفرح؟!
وهل يمرض الحب والأشواق تنجرح؟! 
قل للبراءة وهي الآن متعبة: 
إن الجراح قريبا 
سوف تنطرح
العيد أقبل والأحلام ما قدمت 
والحزن جاء 
وجاء الدمع والترح 
أهواك يا "لين" 
يا شمسا بنا شرقت 
بعد الهطول 
فأضحى قوسها قزح 
أهواك 
يا طفلة الأحلام فابتسمي
إن البشاشة من لقياك 
تنشرح 
أهواك يا أس البراءات 
التي اشتعلت 
في هذه الدنيا 
فكان الطيب والمرح
شعر: د. مجدي الحاج

#لين_تحارب_الليوكيميا - مجدي الحاج

كأنما الوقت في سباق مع نفسه، واللحظة تلو اللحظة تطالب وحش الألم الكاسر بأن يكف عن نهش أعضاء جسدها النحيل بأنيابه ومخالبه البغيضة، ولكن هيهات.

سرير المستشفى أصابه الضجر من طول مكوثها فوقه، وطعم الدواء يكاد يخبر بامتعاضه من كثرة ما تذوقته بفمها المريض.

أما الإبر فلطالما اشتكت من قسوة الوخز واعتذرت في نفس الوقت لعروقها المتعذبة.

"الكيماوي" ما يزال قادرا على ارتكاب مجازره ضد خلاياها الدموية كل مرة ببرود قاتل.

حتى نظرتها الحالمة كادت أن تستسلم للظلام الحالك، لولا بقية من نور الأمل تتسلل في هدوء نحو بؤبها الوسنان.

"لين" ما تزال صامدة رغم كل شيء، وفي يدها معول من يقين ورجاء، مهمة هذا المعول هي هدم أصنام "الليوكيميا" الجاثمة في محراب عمرها الطاهر منذ قرابة العام.

"لين" ستنتصر بعون المولى عز وجل، وسنفرح جميعا حينها بنصر "الله" وفتحه القريب.

قال الدكتور "ناصر" مخاطبا أم "لين" في إحدى المقابلات الدورية:
"إن طريق العلاج ما يزال طويلا جدا، لكني أنظر لراية الشفاء ترفرف من بعيد في الأفق".

اللهم لك الحمد من قبل ومن بعد، وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، اللهم رب الناس أذهب الباس لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما يا أرحم الراحمين.

#لين_تحارب_الليوكيميا

الأحد، 25 مارس 2018

طريق محبة المولى عز وجل - مجدي الحاج

إذا رأيت أحدهم يمشي في طريق محبة المولى عز وجل فاخفض له جناح الذل من التأدب والإنصياع؛ واصحبه في نفس الطريق بغية الوصول إلى ما يصبو إليه من محبته جل وعلا، وما يبتغيه من تذوق حلاوتها، والركون إلى راحتها، واصبر معه على عقبات الطريق ومكارهه، فكل من سار على الدرب وصل.
د. مجدي الحاج
#ترانيم_الحب 

"حزقيال" القبطي الذي أحبه المسلمون في مدينتي - مجدي الحاج


(حزقيال توفيق حزقيال) تاجر نقادي نسبا قبطي انتماءا شنداوي النشأة والهوى، وهو بائع أقمشة شهير في مدينة شندي بولاية نهر النيل السودانية، ويقع محله في مربع واحد قبالة أحد مداخل سوق شندي الشهيرة، ويعتبر محله (دكان حزقيال) محطة شهيرة للتلاقي والتوصيف المكاني عند اﻷهالي هناك.

وفي الأيام القليلة المنصرمة توفي (حزقيال)، ولوفاته بكت شندي عن بكرة أبيها وتوجعت، وهو ديدن أهلها في كل بيت، حيث يبكون عند فقد أي فرد عزيز من أفراده، وقد تشارك أهل شندي جميعهم الحزن والوجع في وداع ابن المدينة (حزقيال توفيق حزقيال)، فهي مدينة عريقة تجسد
التجانس الكبير والتداخل والتسامح الديني العظيم، حيث الإنتماء فقط لشندي بعيدا عن القبيلة والأصل والدين.

وقد كان لأقباط مدينة شندي كبير السبق في إدخال (الحداثة) و(الموضة) إن صح التعبير في كثير من تفاصيل المدينة وبالأخص في الجانب الإقتصادي.

حيث نجد جلابية العيد تفصل في دكان (حزقيال)، وقد لبس أهل شندي منه كثيرا وتزين العريس من محله بالشال والعمة السودانية وهو (قبطي) تشرب عادات أهل المدينة فأصبح يناقشهم حتى في مقاس الطاقية.

ولأجل ذلك فإن أصالة قماش (حزقيال) أصالة لا تنافس وبريقها الخاص لا يجارى ولا يوجد إلا عنده فقط.

وقد تفرد الأقباط في منتجاتهم التي تعمر مدينة شندي وتخصصوا فيها، ولهم دور ملحوظ في التنوير المعرفي فهناك مكتبة العهد الجديد لصاحبيها (لطفي وسمير) والتي كانت من أوائل بوابات المعرفة في شندي حيث الجرائد والصحف السيارة، وحيث مجلات ميكي وسمير وماجد والمغامرون الخمسة والشياطون الثلاثة عشر ومجلة العربي ومراجع أخرى متعددة في الدين الإسلامي؛ ولا أزال أذكر تلك المسافة التي كنا نقطعها سويا أنا وابن خالتي عاطف فزع من (الحلة) للحصول على إحدى هذه المجلات والروايات الشيقة من مكتبتهم.

ولا ننسى (تانج) ميلاد حنا وصلصته، ولا أفضل أو أروع من باسطة (إدوارد) في مربع واحد التي تمنحك طعم (الباسطة) الحقيقي، و في المجال الصحي هناك أيضا صيدلية (إدوارد)، والبصير (نصحي) الذي كان يجبر الكسر ويعالج الرضوخ والفكك في دكانته التى يبيع فيها (الحلاوة الطحينية) و(زيت السمسم) الأصلي؛ وقد اشتهر عند لاعبي كرة القدم في مدينة شندي وضواحيها حيث كان يعالج أي لاعب يصاب في ميادين اللعب والكرة من غير بنج أو حقن مخدرة، فهو بذلك يشبه في عمله أخصائيي الطب الرياضي والإصابات والعظام في الطب الحديث.

والأقباط الذين يطلق عليهم في مدينتي مصطلح (النقادة) يعتبرون عنصرا مهما من مكونات النسيج الإجتماعي بالمدينة يعرضون منسوجاتهم القطنية من (فراد وشالات وجلاليب دمور) مؤكدين بها إسهامهم الفعال في تمييز المدينة واختصاصها بصناعة تطورت كثيرا.

وفي جانب من جوانب المدينة ومداخلها الشهيرة وكثيرة التردد توجد لافتة واثقة، لم تعرف بجملة، ولم تلحق بتوضيح، فكلمة واحدة كفيلة بتأكيد أن المتجر شهير ومعروف والشهير لا يعرف، تلك اللافتة كتب عليها (حزقيال) وكفى.

وقد عرف حزقيال بكونه تاجرا سمحا خلوقا ترتسم على وجهه ظلال ابتسامة ملازمة وصافية وقد تفنن في إرضاء زبائنه حتى يخيل إليك أن ه لا بائع سواه في سوق شندي، رجل يقف خلف تسامحه وأناته وصبره قول المسيح عليه السلام:
(الماء فاغتسلوا من الآثام حين يفكر التعساء منكم في القصاص).

لم يكن الرجل حبيس متجره، بل كان قامة اجتماعية متدفقة لا تتخطاها العين في الأفراح والأتراح، وهو يتنقل بين الناس بابتسامته الساحرة وطلعته البهية وخطاه المسرعة وملابسه المجاهرة بالأناقة.

وبذلك فقد أصبح حزقيال بجدارة رمزا من رموز مدينة شندي، فقد ظل الرجل يسعى منافحا عن مجتمعها الذي شارك في لجانه وتنظيماته، وشكل حضورا جليا فيه ولم يتمترس خلف إحساس سلبي لكونه من أقلية ذات معتقد مغاير فانبرى لكل تكليف وحفته محبة الجميع، وأصبح الرجل رمزا لعلو الهمة والمبادرات الفاعلة حتى اختير عضوا بمجلس إدارة جامعة شندي ولم يكن ذا حظ مقدر من التعليم.

وكان قبل فترة قد أصيب بوعكة صحية مفاجئة حيث ظلت الأعين تتفرس وجهه الباسم الذي ما لبثت ابتسامته تضيق شيئا فشيئا، وحضوره المتدفق ينحسر قليلا، وبعض أعذاره تنوب عنه حضورا في أكثر من مناسبة حتى أعلن عن نبأ حزين، فهو يحزم أمتعته مستشفيا في ألمانيا.

خرجت شندي عن بكرة أبيها مودعة للرجل، وداعية له بالشفاء؛ ولم تكف الهواتف الذكية منها وغير الذكية عن المتابعة وما انقطع الرنين حتى هاتف من يبشر أن حزقيال قد تعافى.

عاد بعد غياب بعافية كاملة، وصحة تامة، وبذات الإبتسامة والترحاب، وعاد كما عاد الناس لمتجره الذي يرتدي البشاشة، والمدينة تفيض فرحا وتؤكد أنها مجتمع التسامح الديني الفريد وأنه لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي، ومجتمع شندي يسمو ويؤكد متانة الروابط الإنسانية.

وقد عبر الناس إلى بر آمن على متن قارب كتبت عليه عبارة موحية للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير في الخلق).

وفي يوم الإثنين الموافق للثامن عشر من شهر ديسمبر من العام الجاري 2017م وفي مستشفى المك نمر الجامعي، فقدت شندي رمزا من رموزها السامقة وركنا ركينا من أركانها وعلامة بارزة من علاماتها.

مات حزقيال توفيق حزقيال بعد صراع طويل مع المرض اللعين.

جاءت أسرة حزقيال بقيادة والده توفيق حزقيال من (نقادة) وهي موضع بجمهورية مصر في ظروف خاصة قال عنها البعض إنها ذات دوافع اقتصادية وتجارية لا غير، واستقر بها المقام بمربع (1) بمدينة شندي في السودان، وقد كان توفيق حزقيال يرتدي العراقي والسروال مثل سائر أهل شندي في ذلك الزمان، ولكنه كان يضيف عليهما الصديري الصعيدي.

جاء الأقباط لشندي فأحبوها وأحبتهم، قليلون منهم عملوا بالتجارة خاصة تجارة القماش وعلى رأسهم أولاد أبسخيرون (إبرهيم ويوسف) ومنهم من عمل في الخردوات مثل (متى صليب) ودكانه بسوق مربع (11) ونونو جرس شقيقة (باسكال) ودكانها بمنزلها بمربع (1) وسعد ميلاد وإدوارد سمعان وكانت محلاتهم راقية تضاهي المتاجر الكبيرة الفاخرة في الخرطوم.

عمل معظم النقادة في صناعة النسيج اليدوي، حيث كانوا ينتجون (الفردة والقنجة).

اشتهرت شندي بالدمور اليدوي فقد سبق الأقباط في صناعة النسيج أسرة (الجبلاب) بمحافظة المتمة.

تطورت صناعة النسيج في النوراب على يد الراحل المقيم الحاج كمال الدين أحمد.

أدخل الأقباط ثقافة جديدة وهي فضيلة العمل لكل أفراد اﻷسرة، فهم كلهم يعملون الرجل والمرأة والأولاد والبنات كبارهم وصغارهم.

بعضهم يجهز الغزل في (البوص) والآخرون يتناوبون على المنسج الذي يعمل ليل نهار.

يخبزون الرغيف (أبو قرون) في بيوتهم مرة واحدة في الأسبوع فيضمنون خبزا جيدا وبتكلفة قليلة.

حزقيال ابن من أبناء شندي الأوفياء، أحبه أهل شندي وأحبهم.

كان ودودا لا تقابله إلا مبتسما هاشا باشا، يقضي جل وقته في خدمة الناس.

دكانه ملتقى لأهل شندي، يأتيه الكبير والصغير، المرأة والرجل، كان لا يفرق بين غني وفقير ولا كبير وصغير ولا متعلم وغير متعلم، الناس عنده كلهم (أولاد تسعة).

الموظفون والموظفات يقضون حوائجهم (بكتمان) عند حزقيال يستدينون منه القماش والثياب والنقود.

يسجلها في دفتر (الجرورة)، ولم يلاحق قط واحدا من زبائنه.

كان حزقيال جعليا يعتز بجعليته، فالجعولية ثقافة عند البعض قبل أن تكون قبيلة أو جنسا، الأقباط يحلفون بالطلاق بالثلاثة (ويسفون التمباك) ويتعاطون (الشربوت والجنزاية والبوقنية) ويجاملون العريس بأن يخلعوا ثيابهم ويجلدوا بالسوط إكراما للعريس كعادة الجعليين (مثلما فعل ابن فادي أديب قبل أشهر وتداولتها الوسائط الإجتماعية).

وكان كثير من أهالي شندي يعاملونهم بالمثل حيث يحضرون معهم (الإكليل) في كنيستهم القابعة في حي الزهور الشنداوي عند الأفراح ويحضرون القداس عند الأتراح، ويقادح كل منهم الآخر ويشيعون موتاهم معا.

كان أديب فاخوري يجهز المايكرفونات لصلاة العيدين ويتنقل بسيارته الخاصة بين مواقع الصلاة ليوفر المايكرفونات للمصلين.

هكذا ولهذه الدرجة اندمج الأقباط في مجتمع شندي وصاروا جزءا لا يتجزأ منه، وقدموا نموذجا للتسامح والتعايش الديني لا أحسب أن له مثيلا في كل الدنيا.

تصور يا حزقيال بعد كل هذا التعايش تضع أمريكا شرطا لرفع اسم السودان من الدول الراعية للإرهاب (التعايش والتسامح الديني)!.

مات حزقيال (الحبوب) فبكاه المسلمون قبل النصارى، بكاه أهل شندي الموجودون فيها، وبكاه أهل شندي في مهاجرهم بالداخل والخارج.

سيفقدك الجميع يا حزقيال في كل المناسبات السياسية والإجتماعية والإقتصادية، فقد كان فاكهة مجالسها.

مات حزقيال وهو سعيد أن يحقق الأهلي شندي كأس السودان مفخرة لشندي كأول فريق في الولايات يحصل على هذا الشرف بعد الإتحاد مدني (الإتحاد أحرزه عندما انسحب منه المريخ والهلال).

احتفلت شندي واحتفل معها حزقيال وهو طريح الفراش بهذا النصر المؤزر.

مات حزقيال حزينا أمسية الإثنين في نفس اللحظة التي استخدمت أمريكا الفيتو ضد العالم كله الذي رفض أن تكون القدس الشريفة عاصمة لإسرائيل كما أرادها ترامب!.

القدس التي فيها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وقبة الصخرة وحائط البراق ونخلة السيدة مريم وكنيسة القيامة، منحها ترامب لليهود (عطاء من لا يملك لمن لا يستحق)، ولكنها يا حزقيال ستعود رغم أنف أمريكا وبعض المتآمرين.

وقد نعاه رئيس مجلس جامعة شندي وأعضاء المجلس ومدير الجامعة والعاملون فيها، فهو عضو مجلس الجامعة، وكان له أدوار متعاظمة تجاه الجامعة وتفاعله مع برامجها وأدواره تجاه مجتمع شندي ممثلا لشريحة الأقباط في كافة الفعاليات الرسمية والشعبية بالمحلية.

وما أن نعى الناعي خبر الوفاة حتى تقاطر الناس إلى منزل حزقيال من الريف والحضر وكان يوما عصيبا وحزينا على شندي.

ذلك التوافد لم يصدر من فراغ فقد كان حزقيال متواصلا مع كل فئات المجتمع في سرائهم وضرائهم وكان لحزقيال حب خاص للفقراء والمساكين وكان متواصلا معهم بدعمه الخفي الشهري، ذلك الدعم الذي لايعلمه إلا القليل من أصدقائه والمقربين إليه وقد ظهر ذلك على السطح عندما سافر الرجل لألمانيا بغرض العلاج وهناك وداخل غرفة الإنتظار للعملية يذكر شندي وربوع شندي ويتذكر الفقراء ويتصل بأحد الأصدقاء بشندي بأن هناك (مظاريف) داخلها مبالغ نقدية، عليها أسماء أصحابها وعناوينهم، ويرجو من الصديق لو تكرم أن يذهب لمنزله بمربع واحد ويستلمها من الأسرة ويسلمها لمستحقيها في شندي وبعض القرى من حولها، ويقول صديقه (محمد) وكله دهشة واستغراب، وقد أكد أنه ذهب بالفعل واستلم تلك المظاريف ووزعها على أصحابها.

كانت هذه الدعومات يخرجها حزقيال شهريا لأولئك المساكين وكان يحرص كل الحرص أن يسلمها بنفسه حتى لا يشعر مستحقيها بالحرج.

سنوات طويلة من الدعم والسخاء ولا أحد يعلم عن ذلك، وهذا سر توافد الناس عند سماع نبأ وفاته.

أما تكفله بدفع تكلفة العمليات الجراحية للذين لا يستطيعون فهذه لا تحصى ولا تعد.

مضى حزقيال لكن لم تمض مواقفه الإنسانية بل ظلت واقفة كمحطته الكائنة في شندي معلما بارزا فيها.

مات الراحل وبقيت محطة حزقيال وستظل رمزا وجسرا للمحبة والسلام.

مضى حزقيال وستظل أعماله يذكرها له الناس في شندي مثلما يذكرون ولا زالوا يذكرون الجد أديب فاخوري ذلك الذي كان يملك محل بيع وصيانة المايكروفونات الوحيد في شندي، فقد كان الرجل يتكفل بتركيب وصيانة مايكرفونات المساجد وكان يجهزها في مناسبات صلاة العيدين والمولد النبوي الشريف دون أن يأخذ مقابلا لذلك.

ولن ينسى أهل شندي العم نبيه قلادة وهو يخرج بصينية الإفطار خلال شهر رمضان المعظم في الشارع العام.

ولن تنسى شندي صدق وأمانة ونزاهة الأقباط في البيع، وقد تحدث الكبار من أهلنا المزارعين أن تجار الأقباط كانوا موضع ثقتهم قبل أن يعرف الناس الخزن والبنوك فقد كانوا يؤتون بكل ما تجود به محاصيلهم ليحفظها لهم التاجر القبطي ويستدردونها متى ما طلبوها.

ويقول منتسبي شرطة ولاية نهر النيل وقسم شندي تحديدا وشرطة المحلية أنه لم يعرض عليهم في يومية من يوميات الحوادث قبطي واحد اتهم بخيانة أمانة أو اختلس مالا عاما أو سرق أو احتال أو ارتشى، وحتى في حالة المخالفات البسيطة تجدهم أول من يسارع لقسم الشرطة ويعفو ويسالم ويسامح.

أما بالنسبة لاسمه حزقيال فهو نبي مقدس في اليهودية والمسيحية والبهائية وهو كاتب سفر في الكتاب المقدس، وسفره عبارة عن تنبؤات بخصوص سقوط القدس بيد البابليين وسقوط الأمم المجاورة وأيضا بخصوص عودة اليهود إلى القدس وإعادة بنائهم للهيكل وتكلم أيضا عن المسيح وقد عاش ما بين سنتي 622 ق. م. و570 ق. م.

وقد كان حزقيال من اليهود المسبيين الأوائل لبابل، حيث تم سبيه في سنة 597 ق. م. إلى نهر الخابور.

ويقال أنه نفسه ذو الكفل النبي المذكور في القرآن الكريم.

التحية والتعازي في مجملها لكل الجالية القبطية في السودان عموما وبالأخص في مدينتي شندي ونسأله تعالى أن يتواصل هذا التسامح والود بين المسلمين والأقباط كيف لا وقد أوصانا حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن نستوصي بالأقباط خيرا.

ولنتعرف على شخصية حزقيال أكثر اسمحوا لي أن أنقل لكم هذا الحوار الصحفي الجميل والذي أجرته معه جريدة الصحافة السودانية في عددها الصادر بتاريخ 15/4/2011م:

حزقيال توفيق حزقيال: سر تجار مدينة شندي وصاحب المحطة الشهيرة

ونسة: عمار هاشم

حزقيال توفيق حزقيال واحد من أشهر تجار شندي في مجال تجارة الأقمشة من مواليد مدينة شندي مربع واحد، أب لأربع بنات وله ستة من أحفاده التقينا به في ونسة من دار جعل استقبلنا بترحابه المعهود ودردشنا معه وحدثنا عن حياته العملية وحب أهل شندي له، ومحطة حزقيال أصبحت من أهم معالم شندي في شارع السوق الرئيس وكانت ونسة تحكي عن روعة حزقيال وطيبته.
* مرحب بيك عمنا حزقيال في ونسة؟
أهلاً بي ونسة وبي ناس الصحافة *
في البداية حدثنا عن بدايتك للتجارة *
بدأتها يوم 25/5/1969م نحن شغالين بنعمل ونجرد ومارشات نميري شغاله
سوق شندي الأمس واليوم؟ *
* سوق شندي يختلف إختلافا كبيرا عن الأمس سوق شندي اليوم لو مشيت السوق ما بتعرف زول، زمان فيها أعلام بارزه إفتقدناها أمثال المرحوم خالد حسن حسين، عبدالرحيم أبو دقن محمد إبراهيم النعيم وعلي كريم الدين وديل كلهم معالم شندي الكبار وأسياد البلد وأسياد السوق وهسه ديل اختفوا من السوق.
التجارة شطارة ؟
* زمان التجارة صدق وأمانه ومعاملة وأحسن مقابله هسه اي زوووول بشتغل تاجر وفي تجار ما بعرفوا يتعاملوا مع الناس ولا يعرفوا يودعوا الناس بس إسم تجارة، والتجارة أصلا تعرف الناس وتقابلهم كويس والتجارة فن وذوق.
* سوق شندي إقتصاديا كيف بعد الكبري؟
* شندي تطورت شديد من الفترة السابقة من 2000 حتي الاّن نهضت نهضة كبيرة ،وكمان كبري المك نمرة ح يدفعها خمسين اوستين سنة لي المستقبل ، والحمد لله
* هل أضاف الكبري لحزقيال جديدا ؟
* وأجاب باسماً تجارة الأقمشة فيها كساد عام وليس في السودان وحده ولا حتى شندي بل العالم كله.
* الملابس الجاهزة اتعبتكم ؟
* الملابس الجاهزه غزت السوق ونحن هسه بنشتهر بالفرده وجلابية الدمور والشال الرجالي والفرده النسائية ،وأما تجارة الأقمشة توقفت خالص ،،واصبحنا نعتمد على الملابس القومية التي تصنع في شندي وهي بقت عنوان لي شندي والذي يأتي الي شندي من كسلا والخرطوم والابيض وبربر ومن نيالا يقولوا ليك عايزين الحاجات القومية بتاعت شندي وناس شندي بودعوا ضيوفهم بالهدايا ، والزول البيجي شندي لازم يشيل معاهوا هدايا زي الحجاج لما يمشوا مكه ويجيبوا معاهم سبح وطواقي.
* تجارة الأقمشة عائدها المادي ضعيف؟
* نعم عائدها غير مجز وضعيف بس قالوا الولف قتال ،لكن ما بخليها وفي أصناف شغاله وما اتأثرت زي مشمع الارض الملايات والستائر دي كلها حاجات ماوقفت وشغالين فيها وما عندي شغل غير تجارة الأقمشة والحمد لله
تجار شندي القدامى الأقباط أين هم الآن؟ *
* في ناس رحلوا وهجروا شندي وخلوا البلد زي فادي أديب غير من شغل الاقمشة وعمل ليه صيدلية ، ومدحت من الاقمشة الي التصوير والكاسيت والفيديو،مجال الأقمشه خلي الناس تتجه الي تجارة اخري.
كلمنا عن علاقة الأقباط بالمسلمين في شندي؟
* شندي بالذات تختلف عن كل مدن السودان ما في علاقة بس، في محبة وديل اهل في الفرح والكره ، والخير والشر والحالة واحدة وانا ما برضي يقولوا ليا في فرق بينكم الإ بس الفرق في الدين ،وبيناتنا الاحترام.
* حزقيال يتمتع بحب ناس شندي حتي أصبح اسمه محطة كبيرة في شندي؟
* علاقتنا الوطيده مع ناس شندي ومحبة الناس لينا هي الخلت حزقيال محطه لايمكن تجاوزها
علاقتك بالفن السوداني *
* استمع لي الفنان الرائع محمد الأمين ولوعندي عشرين شريط ح تلقي 19 شريط لي ودالامين .
* محمد الامين ولا محمد عبد الوهاب أم كلثوم ؟
* ضحك وقال وبرتاح للفن السوداني أكتر من العربي
ماذا يعني لك مربع واحد فى شندي ؟
* مربع واحد الطفولة الشباب الإنتماء والنشأة وهوكل شيء في حياتي
كلمه أخيرة؟ 
* شكرا علي الونسة الجميله في صحيفة الصحافة وأقول السودان ده في القلب وفي العين وعلى الرأس وأعتز جدا بأنني دفعة أصدقاء كتار جدا أمثال علي قسم السيد وهاشم السيد وأعلام بارزة في الوطن أمثال سعادة الفريق الفاتح عبد المطلب والفريق عبدالحميد بروزة ودكتور أحمد لوكا وسعادة السفير عبدالحليم بابو وديل كلهم أخواني وأصحابي وتربطنا بيهم كل المناسبات وده سودانا الكبير.

ورغم ظهور حزقيال كتابع مخلص للكنيسة القبطية إلا أن هناك أصواتا كثيرة في مدينة شندي تتحدث عن اعتناقه للدين الإسلامي بصورة سرية لأسباب قوية وأنه اضطر لإخفاء إسلامه بسبب حرصه على أسرته وخوفه على مشاعر أبنائه وقلقه من المتطرفين في كنيسته؛ حيث كان آخرها ظهور شيخ وإمام مسجد في شندي مطالبا بالصلاة على حزقيال صلاة الجنازة الإسلامية ودفنه في مقابر المسلمين كونه مسلما إلا أن الناس ذكروا له أنه لا يجوز ذلك كونه لم يظهر إسلامه ولم يشهد عليه في المحكمة الشرعية؛ وعليه أن يترك أمره لله عز وجل فهو وحده العالم بحقيقة أمره.

وفي الختام نقول البقاء لله جل جلاله.

وكل عام وأمتنا السودانية بكافة أطيافها بألف خير وطمأنينة ومحبة وازدهار. 

عرض: د. مجدي الحاج

خاطرة صباحية من وحي الشتاء - مجدي الحاج

جاء الشتاء محملا بالكثير الكثير من الأحلام الغضة والأماني السندسية...
جاء الشتاء وها قد عدت وحدي مجددا أحترف البحث عن الدفء في فنجان قهوتي الصباحية، وأبثها اشتياقاتي ولوعتي لحبيبة قد غابت وخلفت وراءها بردا لا يجارى في المشاعر، وصقيعا لا ينافس في أوصال الروح...
جاء الشتاء ومدفأتي ما زالت تتغذى على وقع أحاديثها التي لا تليق إلا بها، فجعلت أبكي حد الضحك...
جاء الشتاء وما زالت تلك الزهور ترتجف في مزهريتها شوقا للحديقة التي قتلها الصقيع بعد غيابها...
في الشتاء المنصرم كنا معا نغزل معطف الحب ونخيط وشاح السعادة، فأغرقنا البرد في طوفانه...
في الشتاء المنصرم كانت تقول لي: لا أحتاج إلا إلى لمسة حانية من يديك، وإلى همسة رقيقة من شفتيك حتى أشعر بالدفء، فانفرطت حبات العقد الفريد من جيد الذكريات...
الحب الشتائي هو حب استثنائي، حب تصنعه حرارة الأشواق كما تصنعه حرارة الأجساد تماما...
إن رياح الشتاء وعواصفه ليست بتلك القسوة التي نخاف، أحيانا لا تفعل شيئا سوى نفض غبار الوحشة عن حياتنا، وكذلك أمطاره فهي تغسل خوفنا ورهبتنا من الأيام...
يمضي شتاء ويجيء آخر ولكن الحياة ما زالت مستمرة بحرها وبزمهريرها، وما زال الأمل يشتعل في القلوب حتى يمنحها الدفء، أما أنا فدفئي الوحيد بعد اليقين هو كلمة: "أحبك"...
د. مجدي الحاج