بديني أفتخر وبأمتي أعتد وبمنتماي أعجب

بديني أفتخر وبأمتي أعتد وبمنتماي أعجب
بديني أفتخر وبأمتي أعتد وبمنتماي أعجب

الأحد، 7 أكتوبر 2012

أنا سوداني أنا - غناء حسن خليفة العطبراوي


كل أجزائه لنا وطن
إذ نباهي به ونفتتن

نتغنى بحسنه أبدا
دونه لا يروقنا حسن
 
حيث كنا حدت بنا ذكر
ملؤها الشوق كلها فطن
 
نتملى جماله لنرى
هل لترفيه عيشه ثمن
 
خير هذي الدماء نبذلها
كالفدائي حين يمتحن
 
بسخاء بجرأة بقوى 
لا يني جهدها ولا تهن
 
تستهين الخطوب عن جلد
تلك تنهال وهي تتزن

 
أيها الناس نحن من نفر عمروا
الأرض حيث ما قطنوا
 
يذكر المجد كلما ذكروا
وهو يعتز حين يقترن
 
حكموا العدل في الورى زمنا
أترى هل يعود ذا الزمن
 
ردد الدهر حسن سيرتهم
ما بها حطة ولا درن
 
نزحوا لا ليظلموا أحدا
لا ولا لاضطهاد من أمنوا
 
وكثيرون في صدورهم
تتنزى الأحقاد والإحن
 
دوحة العرب أصلها كرم
وإلى العرب تنسب الفطن
 
أيقظ الدهر بينهم فتنا
ولكم أفنت الورى الفتن

يا بلادا حوت مآثرنا
كالفراديس فيضها منن
 
فجر النيل في أباطحها
يكفل العيش وهي تحتضن
 
رقصت تلكم الرياض له
وتثنت غصونها اللدن
 
وتغنى هزارها فرحا
كعشوق حدا به الشجن
 
حفل الشيب والشباب معا
وبتقديسه القمين عنوا
 
نحن بالروح للسودان فدى
فلتدم أنت أيها الوطن

الخميس، 4 أكتوبر 2012

"الشيخ الطيب السراج" من أشهر أعلام اللغة العربية في السودان

  
الشيخ الطيب السراج (1893م- 1963م) 
 
هو الطيب (الملقب بزكي) بن عبد المجيد (الشهير برفعت) بن محمد السراج بن مصطفى بن حسن السراج، ينتسب إلى محمد السراج من أشراف مكة وكان يتعهد بإنارة الحرم المكي أثناء الحج بالأسرجة.


ولد بأم درمان ودخل للخلوة ثم المدرسة الأولية ثم المدرسة الوسطى (مدرسة أم درمان الأميرية الإبتدائية) التي تخرج منها في 1910م، وواصل تثقيفه الذاتي، وبعد تخرجه من المدرسة الوسطى التحق بخدمة الحكومة كاتبا بالإنجليزية بمصلحة الأشغال، ثم التحق بالجيش البريطاني مترجما، ثم انتقل إلى إدارة السكة حديد في قسم المحاسبين بمدينة عطبرة مقر رئاسة السكة حديد، ثم انتقل إلى مصلحة الوابورات بالخرطوم بحري وظل فيها إلى استقالته في 1946م إثر خلاف حاد مع الإداريين البريطانيين إبان اشتداد أوار الحركة الوطنية في السودان.


ظهر الشيخ الطيب السراج لأول مرة على مسرح الحياة الأدبية في السودان خلال النصف الأول من عشرينات القرن الماضي ـ العشرين ـ في مدينة عطبرة حيث كان يعمل بحسابات مصلحة السكة الحديد وكان وقتئذٍ شابا في العشرينات من عمره.


قدمه على مسرح النادي المصري بعطبرة (اللواء) محمد فاضل (باشا) قائد كتيبة السكة الحديد وكان إذ ذاك شاعر الجيش المصري بعد حافظ إبراهيم.


وكان محمد فاضل يزدلف إليه الشعراء الشباب يعرضون عليه نتاجهم الشعري بقصد تقويمه وإبداء الرأي فيه.


هكذا اجتذب الشاعر الشاب الطيب السراج إليه الأنظار شاعرا مجيدا متمكنا من العربية وعلومها نحوا وصرفا وبلاغة ولغة يغوص في أعماقها ومنقّبا عن دررها الغوالي وأساليبها البديعة فهي لغة القرآن وهي لغة أهل الجنة.
 
 قال عن نفسه: "هكذا خُلقتُ لا أستطيع أن أغير إهابي".

 
(1)

عن اللغة القرآنية التي أحبها شيخنا "الطيب عبد المجيد السراجِّي" كتب أبو سليمان الخطابي (حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب- 388هـ) وهو يتحدث عن لغة القرآن:
"إن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية، فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز المطلق الرسل، وهذه أقسام الكلام الفاضل، فالقسم الأول أعلى طبقة الكلام وأرفعه، والقسم الثاني أوسطه وأقصده، والقسم الثالث أدناه وأقربه، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شُعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على انفراد في نعوتهما كالمتضادين، لأن العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة فكأن اجتماع الأمرين في نظمه ـ مع نبو كل واحد منهما على الآخر ـ فضيلة خُص بها القرآن".

 
(2)

ولد في أواخر القرن التاسع عشر (1893م أو 1888م) ورحل عام (1963م)، ونستدل من تاريخ ميلاده الذي ثبّته الشاعر "محمد المهدي المجذوب" في رثائه له بالبيت الشِعري:

  خمسٌ وسبعون لم تفرَحْ بمُبتَهِجٍ * بما فعلتَ ولمْ تَظفَرْ بِمُعتَصِمِ


درس الخلوة ثم الأولية فالإبتدائية، وعمل كاتبا ومُترجما للبريطانيين الذين حكموا السودان وانكَبَّ على قراءة تُراث شكسبير . 
 
استقال من العمل عام 1946م وعمل محاسبا بسكك حديد السودان وعمل أيضا في مصلحة الوابورات. 
 
هاجر إلى مكة المكرمة وعمل مدرسا بمدرسة الفلاح الثانوية.
 
 وهب حياته للنهل من تراث اللغة العربية وآدابها وأشعارها، بل اختار حياة الفروسية العربية نهج حياة وصارت مسلكه اليومي طبعا وتطبعا. 
 
يرتدي اللباس العربي بقبائه الفضفاض، ويعتمر العمامة الخضراء ويركب فرسه متجولا في طرقات أم درمان القديمة.

نحن في أمسّ الحاجة للوفاء للشيخ "الطيب عبد المجيد السراجِّي"، سادن اللغة القرآنية وعاشقها الولهان. 
 
كان متفردا في محبته العربية لغة وأشعار. 
 
تلك اللغة التي تأثرت بها العديد من اللغات كالتركية والفارسية والأمازيغية والكردية والأُردية والماليزية والإندونيسية والألبانية وبعض اللغات الإفريقية الأخرى مثل الهاوسا والسواحيلية. 
 
أحب "سيدنا" كلاسيكيات الشعر والآداب العربية، وقد شغفته حبا، فتعلمها كدحا بلا مُعلم، وصعد من القريب السهل إلى المُطلق الرسل وعرّج سماوات الرصين الجزل. 
 
وهنا كان كهفه الذي يتعبد في مغاراته.
 
دلف للحياة العربية القديمة وتجول في باديتها، واكتسب ثقافتها مسلكاً ولغةً.

اكتنز محبة عميقة للثقافة العربية في قلبه ووهب حياته لتلك الثقافة، آدابها وأشعارها. 
 
أحب حياة البادية العربية الطلقة في سالف عصرها وتقمصها في مسلكه، وفي معاشه، بل أقام جسورا عبرت منها لغته المتداولة إلى العربية الفصحى. 
 
كان محبا للحياة العربية في زمانها القديم، سليقتها وصفاءها ورونق جرسها من سلاسة، وبساطة ورقة وجزالة وغرابة ووعورة واستيحاش. 
 
هاجر مثل كل المحبين من اللغة التقريرية المباشرة في سنوات الدراسة الأولى إلى سباحة أعماق بحورها في مُقبِل أيامه، فكان سيدنا من الناهلين من ذاك النبع، قرءاني المرجع، بهي اللغة، رصين الشعر، فصيح اللسان، اغتسل من تصحيف لكنة الأعاجم، فنطق الحرف فصيحا قرشيا مُستطابا.

زامل أبا شرف "محمد عمر إدريس"، "خليفة عباس"، "محمد عثمان عبد الرحيم"، "حسن مدثر".
 
راسل علماء اللغة وقد اعترف له "انستاس الكرملي"، كما راسل "عبد القادر المغربي"، و"النشاشيبي" و"الشنقيطي".
 
 قال عنه "عباس محمود العقاد": (إن الطيب بحرٌ متلاطم الأمواج).

 
كان فريدا مختلفا عن أبناء جيله، فقد درس ووهب حياته للنهل من العلوم والحديث عنها. 
 
غلبته الثقافة الشفهية فكانت هي حياته، تماما كالبُداة في التاريخ القديم، مثلما كانت حياة اللاحقين من سدنة العربية من أمثال الأستاذ "عبد القادر كرف" أو الأستاذ "الجعيلي" أو البروفيسور "عبد الله الطيب"، حتى أن الأخير كادت ثقافته الشفهية أن تذهب بالكثير من كنوزه الثقافية لولا البرامج الإذاعية والتلفزيونية المُسجلة. 
 
لم تكن للشيخ "الطيب السراجي" كتب مدونة إلا بعض أشعار باللغة الإنجليزية وكتابات متفرقة، فهنالك دون شك مخطوطات خطها الشيخ، وحفظتها مكتبته ومكتبة خلصاء أبنائه، فقد امتشق حسامه ابنه الراحل "فرّاج الطيب" وسلك مسلكه، السهمُ مكان السهم حتى تكسرت النصال على النصال. 
 
أحب مثل والده العربية لغة وشعرا، وسجلت له الإذاعة السودانية برنامجا شهيرا هو "لسان العرب" الذي ابتناه على الأثر، وحاول فيه تصحيح الأخطاء الشائعة في اللغة العربية المتداولة بالتحوير وبالتبديل وبالتصحيف. 
 
وصحح الكثير من الأغلاط والأخطاء، وهي طبيعية لازمتْ تنقل اللغة العربية عبر الدول والقارات والشعوب والثقافات وتلونت بألوان البيئة، لو لا مناهج اللغة الفصيحة التي قاومت، إلى أن صارت لغة الدرس ومرجعية القواعد والنحو والصرف، ومضابط الشعر.

سافر الشيخ لمصر في أوائل العام 1948م، وبقي هناك حتَّى عام 1950م، وكان لديه أمل في الإنتماء لعضوية مجمع اللغة العربية في القاهرة، ولم يوفق إذ ليس لديه كتب منشورة، وجلس إلى بعض أدباء مصر واستاء كثيرا من حب بعضهم الإطراء، وساءتهم صراحته، وساءه منهم أنهم سألوه: أمِن "الكويت" هو أم مِن "البحرين"!، وتعجب سيدنا كيف لا تستقيم معرفة العربية بأن يكون المتفقه فيها "سودانيا"!، فرجع إلى وطنه.
 
 قال عنه الأستاذ "محجوب عمر باشري": (لم ينظر "الطيب" للشعر بمنظار اللغة والفصاحة كما اعتقد الكثيرون، بل نظر إليه بمنظار الخيال والرؤى والصور والإيقاع والكلمة المناسبة).
 

عرض عليه الصاغ "صلاح سالم" أن يكون مديرا لإذاعة "صوت العرب" في القاهرة عام 1954م، فلم يقبل العرض.
 
كان الشيخ شديد الإعتداد بفصاحته وعمق دراسته اللغة العربية، حتى أنه جاهر بأن لا أحد يتفوق عليه في معرفتها.
 

(3)

كتب عنه صديقه الأستاذ "خضر حمد" في مذكراته:

(عرفنا الأستاذ "الطيب السراج" منذ عهد الدراسة، فقد كنا نزوره أحيانا ونحن في السنة النهائية من كلية "غردون" واستمرت العلاقة بيننا تقوى حينا وتفتر حينا، خصوصا وأن بعضنا قد أبعدتهم ظروف العمل عن العاصمة ولكن عندما تجود الظروف باجتماعنا في أم درمان لا تكاد تنقطع عن داره أو ينقطع عن دورنا وكانت مجالسه مجالس أدب وعلم وفضل لا يعرف العبث ولا يريد أن يضيع لحظة من لحظات الحياة في غير علم أو تعلم.

وأكثر وقت قضيناه معا كان في سني الحرب فالثورة على الإنجليز والشماتة فيهم وتتبع أخبار الحرب والوقوف إلى جانب النازية وقلة وجود المذياع إلا عند أفراد. 
 
كل هذه كانت من الأسباب التي وثقت من أواصر الصلة.

والطيب السراجي لا يعيش إلا في الأدب القديم والتاريخ القديم والشعر القديم ولا يتأثر إلا بكل ما هو قديم فأحببنا العربية وذهبنا في تتبع أخبار العرب ومسيرهم وتاريخهم وشعرهم.

ومجالس الشيخ الطيب كانت مجالس علم بحق فهو لا يترك شاردة ولا واردة وإذا تحدث تدفق وانحدر كالسيل فهو لا يعرف أين يقف، بل لا يريد أن يقف ويقول ما دام هناك علم وما دام هناك طريق إلى هذا العلم ورغبة في الحصول عليه فلماذا لا نسترسل فيه والحديث ذو شجون؟!.

لا شك في أننا أفدنا كثيرا وما من لحظة تمر إلا انتفعنا منها سواء في التاريخ أو اللغة أو السيرة، وقطعنا الشهور العديدة ونحن لا نقرأ إلا القديم ولا يلذ لنا إلا العويص من اللغة حتى حاولنا أن نحفظ أراجيز العرب ونتغنى بأراجيز رؤية العجاج، ثم سرنا نحاول قراءة "المفضّليات" التي يقول الأستاذ أنها ما زالت بكرا وأن عالما لم يجرؤ على محاولة تفسيرها وأن ما فعله الأستاذ هارون وزميله إنما كان خداعا فقد قاما بشرح السهل المعروف وتجاوزا الصعب.

وذهبت إلى مصر ثم جاء الأستاذ "السراجي" وحاولنا أن نقدمه إلى رجال المجمع اللغوي وأن ندخله عضوا يمثل السودان وكتبت مذكرة ضافية عن الأستاذ وقدمتها للمجمع وباسم النادي السوداني، وذهبت يوما ومعي الأستاذ الكبير "توفيق أحمد البكري" لنقابل الأستاذ "أحمد أمين" وكان مديرا للإدارة الثقافية بالمجمع وتحدثنا معه في شأن الشيخ الطيب وكم أدهشنا وسرنا قول الأستاذ "أحمد أمين" لقد قال أنه رجل نادر لو لم أره ما كنت أصدق ما عرفته عنه أنه من النوع الذي يحمل علمه بين ثنايا ضلوعه لا يرجع إلى مرجع ولا يستشير موسوعة، ثم أخذ يطنب في مدحه والثناء عليه وتقويم علمه ولكنه أظهر أسفه لأنه لا مجال لقبول الأستاذ عضوا في المجمع لأن العضو تقدمه للمجمع مؤلفاته فهو لا يسأل ولا يمتحن وكما علمت فإنه ليس للأستاذ مؤلف أو مؤلفات تقدمه للأعضاء، ولكن يجب الإنتفاع بهذا الرجل النادر المثال.

والتمسنا رابطة الشعراء أو الأدباء التي كان يرأسها الأستاذ "الدسوقي أباظه" وهيأ له الأستاذ "كامل كيلاني" اجتماعا مع "دسوقي باشا" وتلامذته ولكن الأستاذ صُدم منهم من أول لحظة لأنهم سألوه هل هو من "الكويت" أو "البحرين" فلم يعجبه السؤال واستنكر عليهم أن ينسبوه إلى بلد غير السودان ثم انصرف عنهم إلى الحديث مع "كامل كيلاني".

وكلما حاول "كامل كيلاني" أن يلفت نظره إلى الباشا وبقية الأدباء، كان يقول له أين العلماء هؤلاء "قش".

وكم شكوته لأصدقائنا وحاولت وحاولوا معي أن يفهموه أن العلماء في مصر يتبادلون الثناء والتقريظ وأنت دائما تبدأهم بالنقد والنقد الذي يكشف حقيقتهم ويقلل من قيمتهم فكان يقول رحمه الله هكذا خلقت جلفا لا أستطيع أن أغير إهابي.

وكانت صرامته هذه وحرصه على ذكر الحقيقة هي التي أوصدت أمامه الأبواب فلجأ إلى دار الكتب وكان قد تعرف به أستاذ فاضل يدعى "عبد الله أمين" عرف الشيخ الطيب على حقيقته وحاول أن يصقله نوعا ما حتى يجد له بابا وبدأ الأستاذ يأخذ بعض المخطوطات ويقرأ منها ويصحح ما فيها من خطأ علمي أو تحريف أو تصحيف.

وعاد إلى السودان فما طابت له الإقامة في مصر وعدنا سيرتنا الأولى نقرأ كل ما هو عربي صميم ونجد في "السراجي" المعين الذي لا ينضب.
 

ومات الشيخ الطيب ولكن كيف مات فذلك سر ما زلنا نعجز عن كشف النقاب عنه، لقد مات الأستاذ مقتولا وما كان الأستاذ يوما ما منذ أن عرفناه يحمل الحقد أو يذكر الناس بسوء أو يتتبع الهفوات بل كان قليل الإتصال بالناس، قليل الحديث وإذا تحدث فكأنما يهمس همسا.
 

عرفناه عفا نظيفا مؤمنا ما مرت بلسانه كلمة أحس بأنها خارجة عن الحدود إلا كان لسانه يسبق بالإستغفار. 
 
كان معي قبل موته أو قتله بليلتين فقد كان يفكر في أن يتزوج لأنه كان فارغا كما يقول.

إنها حكمة الله أرادت لهذا الأستاذ الذي كان يسبح وحده والذي كان يفخر أمامنا دائما بأنه ليس هناك ابن أنثى أعلم منه بهذه الحروف الثلاثة وما حوت (ع .ر.ب) أراد الله له أن يموت هكذا موتا شاذا غريبا كما كان هو في علمه ومعرفته وحبه للعرب والعروبة شاذا وغريبا ونادر المثال.

رحم الله أستاذنا بقدر حبه للغة القرآن وحرصه عليها وإخلاصه لها وحث الناس عليها ورحمه الله بقدر ما كره الإستعمار والنفاق والخداع).

 
(4)

رثاه الشاعر "محمد المهدي المجذوب" في ديوانه "نار المجاذيب" بقصيدة من اثنين وخمسين بيتا عند مصرعه، ومنها هذه الأبيات:

 
الشطُّ لا تدنُ منه اليومَ شطُّ دَمِ * فإن ظمئتَ فعاقِر دمعَ منتَقِمِ

أَتبع جفونَكَ إن أبصرتَ راحلةً * بين المناكبِ تُلقيها إلى الظُّلَمِ

وأَقبل الفجر هل أبدى بنظرته * قصراً هنالكَ فوق الشطّ لم يَرِمِ

ما روعةُ القمم الطولى مُجردةً * من صيحةِ النسرِ تَدعُو الصبح للقممِ

في شاطئ النيلِ صلبانٌ مُضرَّجةٌ * من حولها الصمتُ بُركانٌ بلا حِممُ

أودى السِّراجيُّ لا الأقلامُ مانعةٌ * ولا السيوفُ ولا البُقْيا من الذِّممِ

نَديُمكَ السيفُ كم ناجيتَ شفرتَه * وكان عندكَ خِلاًّ غيرَ مُتَّهمِ

قضى عَلِيَّا وكَم ْقاضَى به نَفَرا * لا يَسْمعُونَ بِغيرِ السَّيْفِ مِنْ حَكَم

رفعتَ وجهَك إذ أَبصرتَ بارِقه * وقد علمتَ فلَمْ تَجْزَعْ ولم تخِمِ

لقَيتَهُ بجبينٍ كَمْ شَمَخَتْ بِه * وَقَدْ لقيتَ ذِئابَ الأِنْسِ في الأَجَم

جالستُ عندَك أوطارا ظفِرتُ بها * كأساً وشِعرا وأَزْلاَما على صنمِ

بِتنَا المَجَازَ وفي أَرحالِنَا رَجَزٌ * يثورُ كالبحْرِ في الأَوزانِ والكَلِمِ

تُصغي وجبْهَتُكَ الشمَّاءُ لاذ بِها * ضفيرتانِ لياذَ العُصم بالقِمَمِ

نقيمُ هَيكَلَ عِشتارٍ وندْخُلُه * مقرَّبينَ مع الأَسرارِ في حَرَمِ

 
(5)

غيابه الأبدي:

كتب الشاعر "محمد المهدي المجذوب" في مقدمة قصيدة رثائه:

"دخل عليه قاتله ففلق رأس الشيخ بسيفه المعلق بجانبه".

لم يُعرف عن سيدنا "الطيب" إلا سيرته الطيبة ووده وعميق ثقافته ومحبته للعلم. 
 
ليس بينه وبين الآخرين إلا كثير محبة. 
 
لم تَعرف "أم درمان الستينات" جرائم اغتيال، إلا ما كانوا يسمونها "قتيلة الشنطة" ومصرع الأستاذ "الطيب السراجي".
 
 كتب الكاتب الأم درماني المخضرم الأستاذ "شوقي بدري" الكثير عنه.
 
 وتدور الأحاجي والأساطير حول مصرع سيدنا، وكيف حاك الغموض قميص رحيله. 
 
منها أن لصوصا قتلوه، ولكن سطوة الأسطورة التي تلتف حول عنق "الطائفية"، سوداوية البطش، هي صاحبة القدح المعلى في غيبة شيخنا الراحل.

ألف رحمة ونور عليه، ونهيرٌ عذبٌ من سلسبيل الجنان، يسري بإذن مولاه من تحت مرقده، وأن ينال صُحبة الذين أحب في دنياه وأن يكون بينهم في مآلهم بإذن صاحب الوقت ومالك الأرواح.

الجمعة، 28 سبتمبر 2012

العالم الفيزيائي العالمي السوداني الرائد محجوب عبيد طه - رحمه الله -


صورة العالم الفيزيائي العالمي السوداني محجوب عبيد طه
 
- ولد بولاية النيل الأبيض بالسودان سنة 1937م وتوفى بمدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية في 26/8/2000م...

- درس كل المراحل ما قبل الجامعية بالسودان ثم بكالوريوس العلوم (رياضيات) بمرتبة الشرف الأولى من جامعة درهام (بريطانيا) 1964م...

- دكتوراه في الفيزياء من جامعة كامبردج (بريطانيا)...

- أستاذ الفيزياء بجامعة الملك سعود حتى وفاته...

 - عين عميدا لكلية العلوم بجامعة الخرطوم عام 1974م...

- اختير زميل أبحاث في كلية داوننج بكامبردج عام 1966م...

- عين زميلا في معهد الدراسات المتقدمة ببرنستون عام 1967م...

- عين زميل أبحاث في المركز العالمي للفيزياء النظرية بتريست 1968م...

- عين زميلا أول بالمركز العالمي للفيزياء النظرية بتريست 1975م...

- كان عضوا للجمعية الفيزيائية الأمريكية...

- كان عضوا في لجنة الطاقة الذرية السودانية...

- أشرف على العديد من رسالات الماجستير والدكتوراة بجامعتي الخرطوم والملك سعود...

من إنجازاته العلمية:

- قدم أول تعميم نسبوي (relativistic generalization) لمعادلات فاديــيف لتصادمات ثـلاثة جسيمـات مع ثلاثة جسيمات في نطاق نظرية مصفوفة التشتت...

- قدم طريقة رياضية جديدة (سميت بطريقة طه Taha Method) لتحليل التكاملات (على متغيرات الإندفاع) في التفاعلات الكهرومغناطيسية والتفاعلات الضعيفة، كما ابتكر "قواعد جمع طه" "Taha Sum Rules" التي برهنت صحتها في نظرية الإضطراب...

- أثبت تكافؤ مدخلين للتحليل النظري في الفيزياء والجسيمات الأولية مدخل "الجبرا الوقت الواحد" "Equal-time Algebra" ومدخل "متبادلات مخروط الضوء"  "Light Cone Commutators"...

- اكتشف (مع زملائه في المجموعة النظرية في الخرطوم) قانون جمع جديد (Sum rule) في تفاعل البروتون والإلكترون وذلك في إطار موضوع السببية في نظرية الجسيمات الأولية...


- يعتبر من الفيزيائيين القلائل الذين سمح لهم بحضور اطلاق الصواريخ والمركبات الفضائية من منصة مدينة كيب كنافريل بولاية كلفورنيا الأمريكية...

شكل مختلف - للشاعرة السودانية الشابة الدكتورة آمنة نوري

صورة الشاعرة السودانية الشابة الدكتورة آمنة نوري


اعزف على قلبي بشكل مختلفْ...

فرتابة الدقات سوف تميتني...

أحتاج نبضا فوضويا

داخلي

وأريد نبضك أنت

أن يجتاحني

فلتكسر الروتين داخل أضلعي

أو تكسر الأضلاع ليس يهمني

أحتاج فعلا

لازدحام مشاعري

وتوتري

وتزلزلي

وتحطمي

لا لم تعد ترضي غروري بسمة

دعني أجربها

شراسة مبسمي

دعني على وله

ووهم ومنى

لا أدري هل أرويت أم أصديتني

دعني أذوق تنهدي

بروية

فيعود كي يهوى شراييني دمي

أنا بالحنين أعيش

من أنفاسه

قلق الهوى يا أنت

سرُّ تكوني

فاعزف على قلبي

بقلبك دائما

ما دون ذلك لا أظن يهمني...

"قبل خمسين عاما" رائعة الكاتب السوداني الساخر "الفاتح جبرا"

صورة للكاتب مع أسرته الصغيرة 
 
• قبل خمسين عاما كان المواطن السوداني يركب الطائرة لسببين: لقضاء شهر العسل مع عروسته أو للتجارة الآن أصبح يركبها لسبب واحد (الأردن)...!

• قبل خمسين عاما كان الفاشلون يلتحقون بالمدارس الخاصة والآن يلتحق بها الناجحون...

• قبل خمسين عاما كان عدد الوزراء لا يتجاوز أصابع اليدين والآن عدد الوزراء يتجاوز شعر الرأس بقليل (غير المستشارين) مع إنه البلد (كشت)...!

• قبل خمسين عاما كانت جرائم المال العام تساوي (صفر) الآن المال العام أصبح (صفر)...

• قبل خمسين عاما لم تكن البلاد تعرف (جريمة الإغتصاب) والآن (افتح أي جريدة) وكمان جابت ليها إغتصاب أولاد...!!...

• قبل خمسين عاما إستطاع فريق المريخ أن ينشئ إستاده الحالي والآن (الدولة) لا تستطيع إنشاء مدينة رياضية...

• قبل خمسين عاما كانت هنالك بيوت دعارة علنية ولم تكن الأمراض الجنسية منتشرة والآن لا توجد بيوت دعارة علنية بينما تنتشر الأمراض الجنسية...

• قبل خمسين عاما كانت هنالك ست (مطربات) والآن القاعدات يمشو (نيجريا) أكتر من ستين...

• قبل خمسين عاما كانت شوارع الخرطوم تغسل يوميا بالصابون والآن الغالبية لا ما لاقنه للإستحمام...

• قبل خمسين عاما بدأ بث التلفزيون القومي ومع ذلك (ما عاوز يتطور)...!

• قبل خمسين عاما كانت الجنسية السودانية تمنح للسودانيين فقط والآن (وارغو) عنده جنسية...

• قبل خمسين عاما كان شرطي المرور ينظم (حركة) المرور وكمان بلا رشاوي والآن شرطي المرور ينظم (كشات) المرور...

• قبل خمسين عاما كانت صيوانات حفلات الزواج أكثر من صيوانات تلقي العزاء والآن (القصة معكوسة)...!

• قبل خمسين عاما كان مرتب الخريج الجامعي يكفيه ويوفر منه والآن مرتب الخريج الجامعي مواصلات ما يكفيه (ده كان اشتغل طبعا)...

• قبل خمسين عاما كان لينا خط سكة حديد يربط بين الخرطوم وادي حلفا عطبرة بورتسوان كسلا سنار كريمة الأبيض الرهد بابنوسىة نيالا واو... والآن (البركة فينا)...!

• قبل خمسين عاما كانت المساحة المزروعة بمشروع الجزيرة مليون ونصف فدان والآن تقلصت إلى المساحة إلى نصف ذلك...!

• قبل خمسين عاما كانت خطوطنا الجوية تهبط وتزدهي بها أشهر المطارات الدولية أثينا روما فرانكفورت باريس هيثرو بيروت الآن مافيش حد (عارف) بنهبط وين...؟!

• قبل خمسين عاما كان يمكن للمواطن أن يقوم باستخراج أوراقه الثبوتية دون أن تتأثر ميزانيته الآن (إلا الواحد يدخل ليه صندوق)...!

• قبل خمسين عاما كان لدينا (6) كباري والدولار (بي 25 قرش) والآن لدينا 25 كبري والدولار والدولار بي (6) ألف...!

• قبل خمسين عاما يتم الإستعداد للخريف (بالفعل) والآن يتم الإستعداد للخريف (بالقول)...!!

• قبل خمسين عاما لم تكن علامة صلاة على الجباه متفشية الآن (حكاية عجيبة والله)...!!

• قبل خمسين عاما كان هنالك باب بالصحف اليومية اسمه (أين تسهر هذا المساء...؟) كولوزيوم النيل الأزرق الصافية الجي إم إتش الآن (السهر مع الباعوض)...!!

• قبل خمسين عاما لم تكن حبوب منع الحمل معروفة ومع ذلك لم تكن ظاهرة الأطفال اللقطاء منتشرة الآن حبوب منع الحمل تباع في الصيدليات...

• قبل خمسين عاما كانت المدارس تطلب من التلميذ قص أظافره وحلاقة شعر رأسه والآن تطلب من التلميذ (جنيه) فطور الأساتذة وطباعة الإمتحان...

• قبل خمسين عاما تم القبض على موظف (عشان سايق ليه تاكسي) لجمعه بين الوظيفة والعمل الخاص الآن وزراء (سايقين ليهم) شركات ومشاريع زراعية وبيصرحوا بيها في الصحف كمان...!

• قبل خمسين عاما كان (الجزار) يقوم بتغطية اللحم بقطعة قماش بيضاء ومع ذلك يزوره (مفتش الصحة) الآن يقوم الذباب بدور (التغطية) ومع ذلك لا يزوره مفتش صحة ولا يحزنون...

• قبل خمسين عاما كان المواطن يشيل القروش في جيبه ويجيب الخضار في قفه والآن يشيل المواطن القروش في قفه ويجيب الخضار في جيبه...

• قبل خمسين عاما كان حفلات الزواج تمتد لأكثر من شهر والآن من الساعة تسعة لحداشر...!

كسرة:

• قبل خمسين عاما لم يكن خروف الضحية يشكل هاجسا للمواطن الآن أكبر هاجس والدليل الجرسه المن هسع دي وكده...!

كسرة ثابتة:

أخبار ملف خط هيثرو العند النائب العام شنو (ووو ووو ياخي قرفنننننننننننننا من الوضع دا...!!)...

اسم "الخرطوم" في أغنية من التراث الأسواني

الفنان النوبي المصري محمد منير

يقال إن الفنان المصري محمد منير من قبيلة المحس النوبية المشتركة بين مصر والسودان... وقد غنى أغنية من التراث الأسواني تذكر اسم العاصمة السودانية "الخرطوم" اسمها "نعناع الجنينه" أو "عشق البنات" جاء فيها:
قالت لي بريدك يا ولد عمي

تعال ضوق العسل سايل على فمي

على مهلك علي ما بحمل الضمي

على مهلك علي ده أنا حيلة أبوي وأمي



نعناع الجنينه المسقي في حيضانه

شجر الموز طرح ضلل على عيدانه



فى عشق البنات أنا فقت نابليون

طرمبيلي وقف عجلاته بندريوم

قدمت شكوتي لحاكم الخرطوم

أجل جلستي لما القيامه تقوم
يذكر أن الفنان محمد منير يعتد بالتراث النوبي والسوداني جدا وقد غنى مجموعة من الأغاني السودانية كأغنية "الشعب حبيبي وشرياني" كما فعل غيره من الفنانين المصريين...

الخميس، 27 سبتمبر 2012

الشيخ زايد يثني على السودان والسودانيين


 المرحومين الرئيسين الأسبقين الإماراتي الشيخ زايد والسوداني جعفر نميري
 زايد ونميري في أحد اللقاءات بينهما
من صور الزيارة الخارجية الأولى لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الأسبق المرحوم الشيخ زايد آل نهيان بعد استقلال الإمارات والتي كانت للسودان
معروف عن المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمة الله عليه - حب السودان وسائر بلدان الوطن العربي وهم بالمثل بادلوه المحبة...

رحمك الله يا حكيم العرب...

زار الشيخ زايد السودان زيارة وحيدة وهي زيارة أسست لعلاقة متينة بين البلدين لا نزال نجني ثمارها حتى اليوم...

وقد صاحبت الزيارة علامات بشارة وتميز فقد يستغرب الكثيرون إن عرفوا أنها الزيارة الأولى الرسمية للشيخ زايد بعد استقلال دولة الإمارات العربية المتحدة حيث كانت الزيارة في العشرين من فبراير عام اثنين وسبعين وكان إعلان اتحاد الامارات في الثاني من ديسمبر من عام واحد وسبعين أي بعد شهرين ونصف من بزوغ فجر دولة الإمارات العربية المتحدة...

والملاحظة المهمة أيضا أن الشيخ زايد زار كل السودان في تلك الزيارة حيث توجه إلى دارفور وكردفان وحديقة الدندر ومدني وخلال تجواله استقل الطائرة والقطار والسيارات وفي مرات كثيرة رافقه وزراء إنابة عن الرئيس جعفر نميري الذي كان مشغولا وقتها بمتابعة وفد الحكومة المعني بمفاوضات السلام في أديس أبابا...

وجاءت زيارة شيخ زايد للسودان قبل عام من حرب أكتوبر المجيدة والتي استطاعت فيها القوات العربية إلحاق أول هزيمة عربية بإسرائيل وكانت جولة الشيخ زايد تلك واحة من أساليب الحشد للمعركة حيث أعقبها بزيارة ليبيا ثم سوريا ووقتها كان الإصطفاف العربي في قمته والإستعداد للمعركة يجري على قدم وساق...

والمتابع للزيارة لا تفوته بعض الإشارات الذكية للمغزى القومي لتلك الزيارة فقد تبرع الشيخ زايد بمبلغ عشرة آلاف جنيه استرليني لجامعة الزعيم ناصر بمدينة ود مدني والتي كانت النواة لجامعة الجزيرة ويبدو أن أجواء مصالحة كامب ديفيد بعد ذلك غيرت مزاج النميري فبدل اسم جامعة ناصر بجامعة الجزيرة...

ومن الإشارات المهمة مرافقة الصحفي اللبناني "إلياس فريحه" رئيس تحرير مجلة «الصياد» البيروتية والمعروفة بمواقفها المؤيدة للناصريين بل حتى شعارات الإستقبال على الرايات المرفوعة كتب عليها عاش نضال الشعب العربي ومعا ضد المطامع الإستعمارية الإمبريالية...

وقد ضم وفد دولة الإمارات العربية المتحدة الأستاذ أحمد خليفة السويدي وزير الخارجية وقتها وهو من بواكير الكوادر الخليجية الذين درسوا بمصر وأعجبوا بتجربتها...

زيارة الشيخ زايد كان لها ما بعدها فقد مكنت كثيرا من الكوادر السودانية من الإلتحاق بالعمل بدولة الإمارات في سلك الإدارة والقضاء والجيش ولعل الرئيس عمر البشير نفسه كان واحدا من تلك الكوادر حيث انتدب للعمل بقوة دفاع أبوظبي وكان وقتها في رتب النقيب...

ومن معالم تلك الزيارة أيضا أن الرئيس جعفر نميري أهدى الشيخ زايد منزلا جميلا بمنطقة كافوري لا يزال إلى يومنا هذا مملوكا لأسرة الشيخ زايد وقد استقل الرئيسان مركبا عبر النيل من أمام القصر الجمهوري إلى ذلك المنزل في ضواحي بحري على ضفاف النيل الأزرق وقد وجدت تلك الهدية صدى طيبا في نفس الشيخ زايد ميزت علاقته بجعفر نميري إلى مماته فقليلون يعرفون أن الرئيس نميري إبان وجوده في مصر لاجئا كان يعتمد بشكل كلي في أمور معاشه على مرتب شهري يدفعه الشيخ زايد له وهي قصة قد لا يعلمها الكثيرون وقد حرص الشيخ زايد أن تظل في الكتمان إلا أن نميري حكاها لعدد من الناس وقلة من الناس تعرف إن عودة جعفر نميري إلى السودان في مايو من العام 1999م كانت أحد أهم الأسباب في تحسن العلاقات مع دولة الإمارات وعودة السفير السوداني إلى أبوظبي فمعلوم سلفا الأثر السالب لحرب الخليج على العلاقة بين السودان ومعظم دول الخليج ونتيجة لذلك تم تقليص مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى ما دون السفير وكانت عودة نميري والإستقبال الشعبي الذي لقيه في الخرطوم مثار اهتمام من الشيخ زايد وأسهمت بشكل كبير في ترفيع التمثيل الدبلوماسي الى درجة سفير، كما ان الشيخ زايد أهدى طائرته الخاصة لجعفر نميري وقد قدر الله لتلك الطائرة أن تسقط بعد أكثر من ثلاثين عاما في الامارات نهاية العام الماضي فسبحان الله...

ومن الجدير بالذكر أنه كان مقررا صدور جريدة الإتحاد اليومية خلال شهر يونيو 1972م، ولكن رأت وزارة الإعلام الإماراتية إصدارها في 22 أبريل عام 1972م بمناسبة زيارة الرئيس السوداني جعفر نميري لدولة الإمارات العربية المتحدة...

لقد لعب الرئيس الراحل جعفر نميري دورا هاما في تطوير العلاقة السودانية مع دولة الإمارات فكان أول رئيس دولة في العالم يزور الإمارات وكان ذلك في الثالث والعشرين من أبريل من العام اثنين وسبعين أي بعد شهرين من زيارة الشيخ زايد للسودان وقد رافقه وفد كبير من الوزراء ضم منصور خالد وزير الخارجية وإبراهيم منعم منصور وزير المالية وهي الزيارة التي احتفت بها دولة الإمارات العربية المتحدة أيما احتفاء...

وقد زار الرئيس السوداني كل الإمارات وأعد له برنامج حافل للزيارة شمل كل دولة الإمارات الناشئة وقتها وشارك في عدد من سباقات الهجن ولبى عددا مهولا من دعوات الولائم التي أصر شيوخ الإمارات على دعوته لها...

وهنا يذكر عمر محقر سكرتير الرئيس نميري وقتها أن النميري كان يشرب لبن الجمال كلما قدم له في تلك الزيارة ويصر على بقية أفراد الوفد السوداني على أن يشربوا مثله من لبن الجمال حتى إن بعض أعضاء الوفد السوداني أصيبوا بحالات مغص وآلام في البطن بسبب إصرار نميري على تناولهم لبن الإبل ونميري كان يعتبر عدم تناول اللبن عدم تقدير للمضيف...

لقد جنت الجالية السودانية بالإمارات ثمار تلك الزيارة ولا يزال السودانيون إلى اليوم يجنون ثمارها إضافة لقطاع المال والإستثمار وهو قطاع استفاد من الإمارات والخليج وكثير من برامج التنمية ببلادنا هي ثمرة ذلك التعاون آخرها سد مروي...

ومن المهم هنا الوقوف عند الإخفاقات التي صاحبت تلك العلاقة فقد كان السودانيون من بواكير الكوادر المطلوبة خليجيا ولكن تراجع الطلب عليهم حاليا فهل راجعنا الأسباب...؟!

كما أن تأثيرات المواقف السياسية السالبة أثارت كثيرا من الضبابية وأخرت من النمو الطبيعي لتلك العلاقة...

لا بد من الترحم على روحي الزعيمين الشيخ زايد وجعفر نميري فقد كانا مخلصين في تطوير تلك الوشائج ودعمها...

وما وجده السودانيون ولا يزالون يجدونه من حفاوة وكرم في دولة الإمارات العربية المتحدة ليس بالميسور في أي بقعة من بقاع الأرض، ولا يزال أفراد الجالية السودانية هناك يهنؤون بالكرم في ظل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان...

وكما يررد السودانيون (نحن جند الله... جند الوطن...) يرددون أيضا وبكل الفخر (عيشي بلادي... عاش اتحاد إماراتنا... عشت لشعب دينه الإسلام... وهديه القرآن...)...

وقد تم تمليك الجالية السودانية بالإمارات أندية في كل من أبوظبي ودبي والعين في مواقع متميزة تحسدهم عليها بقية الجاليات العربية والأجنبية...

كان الوفاء دائما من أبناء الجالية السودانية في دولة الإمارات العربية المتحدة على حسن وكرم ضيافة دولة الإمارات لهم متمثلة في قيادة المغفور له، فكم شاركوا ولا يزالون يشاركون في أيام الإمارات ومناسباتها الوطنية...

كتب الشاعر السوداني إسحق الحلنقي أغنية (زايد) ولحنها الموسيقار بشير عباس وقدمت في أحد الإحتفالات عن طريق كورال الجالية السودانية، ومن كلمات الأغنية:

زايد يا مضوي ليالينا
يا مخضر كل بوادينا
تسلم يا زايد أيامك
يرعاك الله تسلم لينا
الصحرا اخضرت بي زايد
فتح في الروض أحلى قلايد
توجت بلادك بالعمران
كل الإمارات صارت بستان
طليت بالخير يا فجر الخير
طال عمرك طال يحميك ربك

وينبع حب الشيخ زايد للسودان وللسودانيين من أخلاق وصفات الرعيل الأول الذي عمل مع الشيخ زايد كمستشارين وقضاة وغيرهم من المهندسين والمهنيين والذين كانوا لهم دور كبير في نهضة دولة الإمارات العربية المتحدة وتطورها على العموم...

والمسئولية كبيرة على عاتق المغتربين اليوم في دولة الإمارات العربية المتحدة للمحافظة على تلك الصورة الجميلة في أنقى صورها...

قال الشيخ زايد عن السودانيين:

"إن لم تكن سودانيا فأنت لست بعربي"...

فالشعب الإماراتي يعتبر أكثر شعوب الخليج تحضرا ورقيا فى التعامل مع السودانيين ويشهد لهم بالأخلاق العالية، ويعتبر السودانيون أكثر الجاليات حبا وقربا لأبناء الإمارات...

ولايزال أبناء الجالية السودانية يعيشون في كنف ورعاية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد بن سلطان آل نهيان الذي هو بحق خير خلف لخير سلف... تلقى الجالية السودانية معاملة طيبة ومتميزة وهناك ود واحترام كبير بين الشعبين الشقيقين الإماراتي والسوداني...

سنعيش صقورا طائرين...

وسنموت أسودا شامخين...

وهكذا نحن دوما سودانيون ونفتخر...